ألعاب FPS لم يعد يتذكرها كثيرون اليوم – الجزء الرابع
بعد ان استعرضنا ألعاب FPS لم يعد يتذكرها كثيرون اليوم الجزء الأول و الجزء الثاني و الجزء الثالث نستكمل القائمه في الجزء الرابع.
لعبة Strife Veteran Edition تمزج DOOM مع RPG خيالية لصناعة تجربة مميزة
في البداية قد يبدو اختيار النسخة الأصلية Strife Quest for the Sigil الصادرة عام 1996 هو الخيار الطبيعي عند الحديث عن هذه اللعبة لكن في عام 2026 ستكون Strife Veteran Edition الصادرة عام 2014 هي النسخة الأسهل والأفضل لمعظم اللاعبين لأنها نسخة محسنة وأكثر قابلية للتجربة على الأجهزة الحديثة ومع ذلك فإن جوهر اللعبة في كلتا الحالتين يظل واحدا فهي واحدة من أجرأ المحاولات المبكرة لدمج ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول مع عناصر RPG في وقت لم يكن هذا المزج شائعا كما هو الحال اليوم.
ما يجعل Strife مهمة فعلا هو أنها سبقت الكثير من الألعاب التي أصبحت لاحقا مرتبطة بفكرة المزج بين التصويب والتسلل والاختيار وتقمص الأدوار فقد ظهرت قبل ألعاب مثل Thief و Deus Ex بسنوات وقدمت أفكارا كانت تبدو غريبة وطموحة بالنسبة للعبة مبنية على أساس ألعاب التصويب السريعة في منتصف التسعينيات فبدلا من أن تكون مجرد مراحل مليئة بالأعداء والمفاتيح والأبواب المغلقة حاولت Strife أن تمنح اللاعب عالما أكثر ترابطا وشخصيات يمكن التفاعل معها وخيارات تغير طريقة التعامل مع المواقف.
مثل الكثير من ألعاب التصويب في منتصف التسعينيات تم بناء Strife باستخدام محرك DOOM وهذا وحده قد يجعل البعض يتوقع تجربة قريبة من ألعاب Run and Gun التقليدية التي تعتمد على الحركة المستمرة وإطلاق النار وجمع الذخيرة والمفاتيح لكن اللعبة صدرت في وقت كان فيه هذا الأسلوب ثنائي الأبعاد ونصف يبدأ في التراجع تدريجيا أمام موجة ألعاب أكثر تقدما من الناحية التقنية ولهذا لم تكن Strife مذهلة بصريا حتى في وقتها ومع ذلك عوضت ذلك بأفكار تصميمية جعلتها مختلفة عن معظم منافسيها.
تقدم Strife عالما مركزيا يعمل كمنطقة Hub يعود إليها اللاعب ويتنقل منها إلى أماكن مختلفة وهذا كان أمرا لافتا في تلك الفترة لأن كثير من ألعاب FPS كانت تعتمد على مراحل منفصلة وواضحة البداية والنهاية أما هنا فيشعر اللاعب بأنه يتحرك داخل عالم له بنية وسكان وصراع مستمر وليس فقط داخل سلسلة خرائط مصممة للقتال وهذا جعل التجربة أقرب إلى مغامرة RPG من حيث الإحساس العام رغم أنها ما زالت تحتفظ بإيقاع ألعاب التصويب القديمة.
كما تضيف اللعبة شخصيات غير قابلة للعب تتفاعل مع سلوك اللاعب وهذا عنصر مهم لأنه يمنح العالم قدرا من الحياة ويجعل تصرفات اللاعب ذات معنى أكبر فإذا تعاملت بعنف أو أثرت على النظام الموجود داخل العالم فقد تشعر أن البيئة من حولك تستجيب بطريقة مختلفة وهذا النوع من التفاعل كان طموحا جدا في لعبة FPS من ذلك الزمن ويجعل Strife تبدو كأنها كانت تحاول فتح طريق جديد قبل أن يصبح هذا النوع من التصميم أكثر انتشارا لاحقا.
وتضم اللعبة أيضا خيارات حوار تمنح اللاعب فرصة للتفاعل مع الشخصيات بطريقة أبعد من إطلاق النار فقط ورغم أن هذه الخيارات قد تبدو بسيطة مقارنة بألعاب RPG الحديثة فإن وجودها داخل لعبة FPS من عام 1996 كان خطوة جريئة لأنها تكسر القاعدة المعتادة لذلك العصر وتجعل اللاعب يتوقف ويتحدث ويفهم العالم بدلا من التقدم المستمر عبر الممرات والوحوش وهذا يضيف طبقة سردية خفيفة لكنها مؤثرة في جعل التجربة أكثر تميزا.
ومن الجوانب التي تستحق التقدير أن Strife لا تجبر اللاعب دائما على التعامل مع كل موقف كساحة معركة مفتوحة فمع أنها تعمل بشكل جيد كلعبة تصويب مباشرة وتسمح بالقتال السريع واستخدام الأسلحة والاندفاع بين الأعداء فإنها تجعل التسلل خيارا قابلا للاستخدام في بعض المواقف وهذا كان نادرا جدا في تلك الحقبة حيث كانت معظم ألعاب التصويب تشجع اللاعب على المواجهة الصريحة لا على المراقبة والانتظار وتجنب الاشتباك.
هذا المزج بين التصويب والتسلل وعناصر RPG هو ما يمنح Strife قيمتها الخاصة فهي ليست بالضرورة أكثر ألعاب التسعينيات إثارة من ناحية الأسلحة أو أقواها بصريا أو أسرعها في الإيقاع لكنها واحدة من أكثرها تجربة وجرأة لأنها حاولت أن تسأل سؤالا مختلفا وهو ماذا يحدث إذا أخذنا أساس DOOM وأضفنا إليه عالما خياليا وشخصيات وحوارات واختيارات وتسللا وتقدما أقرب إلى RPG وكانت النتيجة لعبة لا تشبه الكثير مما صدر حولها.
ورغم أن هناك ألعاب تصويب مظلومة أخرى من التسعينيات قد تكون أكثر متعة مباشرة لبعض اللاعبين مثل Blood و Powerslave و SiN و Redline فإن Strife تظل أكثرها طموحا من ناحية التجربة لأنها لم تكتف بتقديم نسخة مختلفة من صيغة التصويب السائدة بل حاولت توسيع حدود النوع نفسه وهذا يجعلها لعبة مهمة تاريخيا وممتعة في الوقت نفسه لمن يستطيع تقبل إيقاعها الأبطأ وشكلها القديم.
وتتميز Strife Veteran Edition بأنها تجعل هذه التجربة متاحة بسهولة للاعبين اليوم بعكس كثير من ألعاب FPS المنسية التي أصبحت محاصرة بسبب الحقوق أو الإزالة من المتاجر الرقمية فوجودها على متاجر مثل Steam يجعل العودة إليها بسيطة جدا وهذا أمر مهم لأن اللعبة تستحق أن يكتشفها جمهور جديد لا يعرف إلا العناوين الأشهر من تلك الحقبة.
لعبة The Darkness لعبة FPS تستحق الخروج من ظلام النسيان
قد يظن البعض أن The Darkness ليست لعبة منسية تماما وأنها ما زالت معروفة بين جمهور ألعاب التصويب وهذا صحيح إلى حد ما لكن المشكلة أن كثيرا من اللاعبين يتذكرون على الأرجح الجزء الثاني The Darkness 2 الصادر في عام 2012 أكثر من تذكرهم للجزء الأصلي الصادر في عام 2007 فالجزء الثاني حصل على حضور أوضح واستمر في ذاكرة اللاعبين بشكل أقوى لأنه صدر على الحاسب الشخصي وما زال متاحا بسهولة حتى اليوم بينما بقيت اللعبة الأصلية محصورة بدرجة أكبر داخل جيل Xbox 360 و PS3 وهذا جعلها تختفي تدريجيا من النقاش العام رغم قيمتها الكبيرة.
The Darkness 2 لعبة ممتازة بالفعل وربما تتفوق على الجزء الأول من ناحية التصويب المباشر وسرعة المعارك وسلاسة القتال لكنها ليست بالضرورة التجربة الأقوى عندما ننظر إلى الصورة الكاملة فالجزء الأول The Darkness يمتلك روحا أكثر قتامة وثقلا وقصة أكثر تأثيرا وشعورا أقوى بالانغماس في عالم فاسد ومؤلم ولهذا يمكن القول إن اللعبة الأصلية ما زالت تستحق مكانة خاصة بين ألعاب FPS التي لم تحصل على التقدير الكافي في الوقت الحالي.
واحدة من أكبر مشكلات The Darkness اليوم هي صعوبة الوصول إليها مقارنة بالجزء الثاني فاللعبة صدرت فقط على Xbox 360 و PS3 ورغم أن نسخة Xbox 360 تعمل من خلال التوافق المسبق على Xbox One و Xbox Series X و Xbox Series S ويمكن شراؤها من متجر Xbox فإن الأمر ليس بهذه السهولة للاعبي PlayStation الذين لا يملكون إلا PS4 أو PS5 لأنهم يحتاجون إلى الاعتماد على خدمة البث عبر PS Plus Premium وهي طريقة لا يفضلها كثير من اللاعبين وغالبا يتم استخدامها على مضض بسبب مشكلات التأخير وجودة الاتصال وعدم امتلاك اللعبة بشكل مباشر.
هذا الوضع جعل The Darkness تقع في منطقة غريبة فهي ليست مفقودة تماما مثل بعض الألعاب القديمة التي أزيلت من المتاجر لكنها في الوقت نفسه ليست متاحة بالشكل الذي يسمح لجمهور جديد باكتشافها بسهولة ولذلك بقيت شهرتها محصورة غالبا بين من لعبوها في وقتها أو من عادوا إليها عبر Xbox بينما ابتعد عنها كثير من اللاعبين الذين لم يعيشوا جيل PS3 و Xbox 360 أو لا يملكون وسيلة مريحة لتجربتها.
عند مقارنة اللعبتين من ناحية القتال وحده سيكون من السهل منح الأفضلية ل The Darkness 2 لأنه أكثر سرعة وأكثر وضوحا كلعبة تصويب ويقدم معارك أكثر انسيابية لكن عند النظر إلى القصة والأجواء والشخصيات والإحساس العام فإن The Darkness الأصلية تتفوق بوضوح لأنها تقدم تجربة أكثر توازنا وجرأة من الناحية السردية ولا تعتمد فقط على القوة والمتعة اللحظية بل تبني عالما كئيبا وشخصية رئيسية غارقة في الألم والفساد والانتقام.
تقدم The Darkness حكاية قاتمة عن المأساة والفقدان والفساد وتتعامل مع موضوعات ثقيلة لا تخاف من دفع اللاعب إلى مناطق عاطفية ونفسية مظلمة فالقصة لا تستخدم العنف كوسيلة للاستعراض فقط بل تجعله جزءا من عالم محطم ومن شخصية تعيش صراعا داخليا وخارجيا في الوقت نفسه وهذا يجعل الرحلة أكثر تأثيرا من كثير من ألعاب FPS التي تكتفي بمنح اللاعب سلاحا وهدفا واضحا دون أن تمنحه سببا عاطفيا قويا للاستمرار.
شخصية Jack في The Darkness ليست مجرد بطل قوي يحصل على قدرات خارقة بل شخصية يبدو أن القوة التي يمتلكها تأتي بثمن مرعب ف Demon Arms الخاصة به لا تبدو كأدوات ممتعة للاستخدام فقط بل كامتداد وحشي ومقلق لقوة مظلمة تسكن داخله وهذه النقطة مهمة جدا لأن اللعبة لا تجعل اللاعب يشعر بأنه خارق بشكل نظيف أو بطولي بل تجعله يشعر بالقوة والافتراس والخطر في الوقت نفسه وكأن كل قدرة يستخدمها تحمل معها شيئا غير إنساني.
ومن أكثر الأفكار ذكاء في The Darkness أنها جعلت الضوء عدوا حقيقيا للاعب فبدلا من أن يكون الظلام مجرد مساحة للاختباء أو عنصرا بصريا في الخلفية يصبح جزءا أساسيا من طريقة اللعب لأن قوى Jack تعمل بشكل أفضل في الظلام بينما يحد الضوء من قدراته وهذا القرار منح اللعبة هوية قوية جدا وجعل اللاعب ينظر إلى البيئة بطريقة مختلفة حيث لم تعد المصابيح والإضاءة مجرد تفاصيل في المشهد بل تهديدات يجب التفكير في تدميرها أو تجنبها.
هذه الفكرة كانت ملهمة إلى درجة أن Alan Wake استخدمت لاحقا مفهوما قريبا يقوم على العلاقة بين الضوء والظلام ورغم أن Alan Wake اشتهرت كثيرا بسبب أجوائها وسردها فإن The Darkness كانت تمتلك أسلوب لعب أقوى وأكثر جسدية وأكثر إرضاء من ناحية التحكم بالقوة المظلمة والانتقال بين التصويب واستخدام القدرات الوحشية وهذا يجعلها تجربة FPS أكثر تماسكا من الناحية القتالية رغم أنها أقدم.
كما أن The Darkness لا تكتفي بمنح اللاعب قوى مدمرة بل تستخدم هذه القوى لبناء إحساس نفسي خاص فكلما أصبحت أقوى شعرت في الوقت نفسه بأنك أقل إنسانية وأن ما بدا في البداية كميزة قتالية قد يكون لعنة كاملة وهذا التوتر بين القوة والرعب هو ما يجعل اللعبة مختلفة عن كثير من ألعاب التصويب الخارقة أو العنيفة لأن المتعة هنا ممزوجة بإحساس دائم بعدم الراحة.
وتتميز اللعبة أيضا بإيقاع أبطأ وأكثر اهتماما بالشخصية من معظم ألعاب FPS في ذلك الجيل فهي لا تسعى طوال الوقت إلى رمي اللاعب داخل معركة جديدة بل تمنحه لحظات هادئة وغريبة تسمح ببناء العلاقة مع العالم والشخصيات وربما أشهر مثال على ذلك وجود مشهد يسمح للاعب بمشاهدة فيلم To Kill a Mockingbird من البداية إلى النهاية داخل اللعبة وهي تفصيلة تبدو غير متوقعة لكنها تعكس مدى رغبة اللعبة في خلق لحظات إنسانية وسط عالم شديد القسوة.
هذا النوع من التفاصيل الصغيرة هو ما يجعل The Darkness تجربة لا تُنسى لمن عاشها فعلا فهي ليست مجرد لعبة تصويب تستخدم قدرات شيطانية بل عمل يهتم بالأجواء والبطء والشخصية واللحظات التي تجعل العالم يبدو حقيقيا ومؤلما ولهذا ما زال كثيرون يعتبرونها أقوى كحزمة كاملة من الجزء الثاني حتى لو كان The Darkness 2 أكثر لمعانا من ناحية المعارك.
اللعبة مناسبة لكل محب لألعاب FPS يريد تجربة مدفوعة بالشخصية أكثر من كونها مجرد حملة إطلاق نار تقليدية فهي تمنح اللاعب قوة كبيرة لكنها لا تقدم هذه القوة بصورة بطولية بسيطة بل تجعله يشعر بأنه مفترس ومطارد ومصاب بلعنة في الوقت نفسه كما أنها مناسبة لمن يحب القصص القاتمة والأجواء الحضرية الفاسدة والألعاب التي تمزج بين العنف والتراجيديا بطريقة لا تزال مؤثرة حتى اليوم.