ألعاب التجسس تحتاج إلى جعل اللاعب يفشل أحيانا – الجزء الأول

تقترب لعبة 007 First Light من الإصدار وسط اهتمام كبير من اللاعبين الذين ينتظرون رؤية ما إذا كانت قادرة على تقديم تجربة مختلفة تعيد الحيوية إلى ألعاب التجسس الحديثة خصوصا أن هذا النوع من الألعاب لم يعد يظهر بنفس القوة التي كان عليها في السابق.

ورغم أن ألعاب التجسس لا تعتبر تصنيفا مستقلا بالكامل لأنها غالبا ما تنتمي إلى ألعاب الأكشن أو التسلل فإنها تمتلك هوية خاصة تعتمد على الخداع والعمل السري والتخطيط والتعامل مع المواقف الخطيرة بذكاء وهو ما يجعل الكثير من اللاعبين ينظرون إليها كنوع مختلف له طابعه المميز.

وقد تكون 007 First Light واحدة من الألعاب التي تحاول إعادة تعريف هذا الأسلوب خصوصا مع اعتمادها على تجربة stealth action sandbox التي تسمح بحرية أكبر في تنفيذ المهمات والتعامل مع الأعداء بطرق متعددة بدلا من الالتزام بمسار واحد ثابت طوال الوقت.

ويزداد الاهتمام باللعبة بسبب أن فريق IO Interactive المسؤول عنها يمتلك خبرة طويلة في تطوير سلسلة Hitman التي تعتبر من أبرز ألعاب التسلل الحديثة حيث تعتمد ألعابها على منح اللاعب مساحة واسعة للتخطيط وتنفيذ الاغتيالات بطرق معقدة ومدروسة.

وفي عالم Hitman يظهر Agent 47 كشخصية تمتلك سيطرة شبه كاملة على المواقف المختلفة فهو مخطط بارع وقادر على تحويل أي موقف إلى فرصة لتنفيذ عمليات دقيقة باستخدام خطط معقدة تشبه الآلات المترابطة التي تنهار فوق الهدف في النهاية بطريقة محسوبة للغاية.

لكن James Bond مختلف عن ذلك بشكل واضح لأن قصصه لا تعتمد فقط على كونه عميلا ناجحا بل على وضعه في مواقف خطيرة يفقد فيها السيطرة أحيانا ويتعرض للخداع أو الفشل أو الوقوع في الأسر قبل أن يعود لاحقا لمحاولة قلب الموازين من جديد.

وهذه الفكرة تعتبر جزءا أساسيا من هوية أفلام James Bond لأن البطل لا يبقى دائما في موقع القوة بل يمر بفترات ضعف وخسارة تجعله يبدو أكثر إنسانية وتمنح الأحداث توترا أكبر وتجعل الانتصار النهائي أكثر تأثيرا.

ففي معظم أفلام James Bond توجد لحظة محورية يخسر فيها Bond الأفضلية ويتعرض لضربة قوية سواء على المستوى الجسدي أو النفسي أو حتى من خلال فشل خطته بالكامل وهي مرحلة تجعل القصة أكثر إثارة لأنها تدفع الشخصية إلى التكيف مع الوضع ومحاولة النجاة رغم الظروف السيئة.

وهذا النوع من البناء الدرامي غائب عن عدد كبير من ألعاب التجسس التقليدية لأن الكثير منها يقدم اللاعب كعميل خارق لا يخطئ أبدا وقادر دائما على السيطرة على كل موقف بسهولة وهو ما يقلل من الإحساس بالخطر الحقيقي داخل التجربة.

وفي كثير من ألعاب التسلل الحديثة يتحول الفشل إلى شيء يجب تجنبه بالكامل حيث تعاقب اللعبة اللاعب بمجرد اكتشافه أو تفرض عليه إعادة المهمة من نقطة سابقة بدلا من تحويل الخطأ نفسه إلى جزء من الأحداث والتجربة.

لكن ألعاب التجسس تصبح أكثر إثارة عندما تسمح بحدوث الأخطاء والفشل وتدفع اللاعب إلى التعامل مع العواقب بدلا من إنهاء المهمة مباشرة لأن هذا الأسلوب يجعل التوتر أكثر واقعية ويجعل اللاعب يشعر بأنه داخل فيلم تجسس حقيقي مليء بالمفاجآت والتقلبات.

فعندما تنهار الخطة أو يكتشف الأعداء وجود اللاعب أو تتحول المهمة الهادئة إلى مطاردة فوضوية تصبح التجربة أكثر تنوعا وديناميكية بدلا من الاعتماد على نمط لعب واحد لا يتغير.

ومن هنا تبدو 007 First Light كفرصة مهمة لتقديم هذا النوع من التجارب خصوصا إذا استطاعت الموازنة بين أسلوب التسلل المفتوح الذي يشتهر به فريق IO Interactive وبين الطابع السينمائي المتقلب المرتبط بعالم James Bond.

وإذا نجحت اللعبة في جعل اللاعب يشعر أحيانا بأنه فقد السيطرة أو ارتكب خطأ حقيقيا ثم أجبرته على النجاة والتكيف مع الفوضى بدلا من إعادة المهمة فورا فقد تصبح واحدة من أكثر ألعاب التجسس تميزا خلال السنوات الأخيرة.

كما أن هذا الأسلوب يمكن أن يمنح اللعبة هوية مختلفة عن ألعاب Hitman نفسها لأن المطلوب هنا ليس تقديم عميل مثالي دائما بل تقديم شخصية تعيش مواقف متغيرة وتواجه الخطر بشكل مستمر وتضطر أحيانا إلى الهروب أو الارتجال أو تحمل نتائج الفشل قبل العودة من جديد.

أهمية الفشل في ألعاب التجسس واعتماد الألعاب على وهم القوة

عند التفكير في أي فيلم من أفلام James Bond يمكن ملاحظة وجود لحظة يخسر فيها Bond السيطرة على الوضع سواء من خلال القبض عليه أو تعرضه للإصابة أو الوقوع تحت تأثير السم أو الوقوع في فخ لم يكن يتوقعه وهذه اللحظات لا تعتبر تفاصيل جانبية بل تعد من أهم العناصر التي تمنح أفلام التجسس توترها وإثارتها.

وفي أفلام Daniel Craig تحديدا أصبحت مشاهد سقوط Bond أو تعرضه للتعذيب من أكثر اللحظات شهرة وتأثيرا لأن الشخصية لا تظهر فيها كبطل خارق لا يمكن إيقافه بل كإنسان يواجه خطرا حقيقيا ويضطر لتحمل الألم والخسارة قبل أن يعود لمحاولة النجاة من جديد.

ويتكرر هذا النوع من المشاهد في أفلام التجسس لسبب بسيط وواضح وهو أن وضع البطل أمام تحديات أكبر من قدرته المعتادة يخلق حالة من التوتر والترقب لأن المشاهد يبدأ بالتساؤل حول الطريقة التي سيتمكن بها من الخروج من المأزق وهذه الحالة هي التي تصنع جزءا كبيرا من قيمة الترفيه داخل هذا النوع من القصص.

لكن عند النظر إلى ألعاب التجسس من هذا المنظور تظهر مشكلة شائعة في الكثير من ألعاب الفيديو الحديثة وهي اعتمادها المستمر على تقديم اللاعب كشخصية لا تخطئ تقريبا مع تحويل إتقان الأنظمة والميكانيكيات إلى وسيلة لصناعة وهم القوة المطلقة.

ففي العديد من ألعاب التسلل يتم تشجيع اللاعب على إنهاء المهمات دون أن يكتشفه أحد ويصبح الأداء المثالي هو المرور من البداية إلى النهاية دون أي خطأ أو مواجهة مباشرة مع الأعداء وكأن اللعبة تكافئ اللاعب على أن يكون شبحا لا يمكن رؤيته أو إيقافه.

وتظهر هذه الفكرة بوضوح في ألعاب مثل Splinter Cell حيث يستطيع اللاعب المحترف إنهاء مراحل كاملة دون تنبيه أي عدو لوجوده وعندما يتم اكتشافه يعتبر ذلك فشلا أو على الأقل دليلا على أن الأداء لم يكن مثاليا بالشكل المطلوب.

ورغم أن الارتجال بعد اكتشاف اللاعب قد يكون ممتعا أحيانا فإن الهدف الأساسي يبقى دائما الهروب من الأعداء واستعادة السيطرة بسرعة بدلا من تحويل الفشل نفسه إلى جزء مهم من القصة أو التجربة.

وهنا تظهر الفجوة بين أفلام التجسس وألعاب التجسس لأن الأفلام تعتمد على لحظات الانهيار والخطر وفقدان السيطرة لصناعة التوتر بينما تحاول الألعاب غالبا حماية اللاعب من الشعور الحقيقي بالفشل خوفا من إزعاجه أو كسر إحساسه بالقوة.

لكن هذا الأسلوب يجعل كثيرا من ألعاب التجسس متوقعة لأن اللاعب يعرف أنه طالما أتقن الأنظمة فلن يواجه مشاكل حقيقية وسيبقى دائما الطرف الأقوى داخل المهمة مهما كانت الظروف.

وفي المقابل تصبح التجربة أكثر إثارة عندما تسمح اللعبة بوجود عواقب حقيقية للأخطاء وتجبر اللاعب على التعامل مع نتائج الفشل بدلا من إعادة المهمة مباشرة من نقطة سابقة وكأن شيئا لم يحدث.

فتخيل لعبة تجسس يتحول فيها اكتشاف اللاعب إلى جزء من القصة حيث يتم القبض عليه أو فقدان بعض معداته أو اضطراره للهروب من منطقة معادية بموارد محدودة بدلا من مجرد ظهور شاشة فشل تقليدية فهذا النوع من التصميم يمكن أن يمنح التجربة توترا وواقعية أكبر بكثير.

كما أن السماح بالفشل لا يعني بالضرورة سلب حرية اللاعب بل يمكن استخدامه لصناعة مواقف ديناميكية تدفعه للتكيف مع الظروف الجديدة واتخاذ قرارات مختلفة تحت الضغط وهو ما يجعل كل مهمة تبدو غير مضمونة النتائج.

وتعتمد الكثير من ألعاب الفيديو على فكرة القوة المطلقة لأنها تمنح اللاعبين شعورا بالإنجاز عند إتقان الأنظمة لكن الإفراط في هذا الأسلوب قد يضر بالسرد خصوصا في ألعاب التجسس التي يفترض أن تقوم على التوتر والخداع والمخاطر المستمرة.

فالعميل السري الذي لا يخطئ أبدا ولا يقع في الفخاخ ولا يخسر أي مواجهة يتحول مع الوقت إلى شخصية أقل إثارة لأن غياب احتمالية الفشل يقلل من قيمة النجاح نفسه.

اقرأ المقال كاملاً على سعودي جيمر