بناء العالم في Crimson Desert يتفوق على السرد – الجزء الثاني

بعد ان استعرضنا بناء العالم في Crimson Desert يتفوق على السرد الجزء الأول نستكمل القائمه في الجزء الثاني.

في Crimson Desert الطريقة أهم من السبب

هنا تحديدا تبدأ Crimson Desert في إظهار شخصيتها المختلفة بصورة حقيقية لأنها لا تكتفي بتقديم أفكار لعب مميزة داخل عالم واسع بل تجعل قيمة هذه الأفكار مرتبطة بالطريقة التي يتفاعل بها العالم معها في كل لحظة. فالاختلاف لا يكمن فقط في وجود عناصر لعب متنوعة أو إمكانات كثيرة يمكن استخدامها بل في أن العالم نفسه يبدو مستعدا دائما للاستجابة لما يفعله اللاعب. ولهذا لا يشعر اللاعب بأنه يسير داخل بيئة ثابتة أو يستكشف مساحة صامتة بل يشعر بأنه أمام عالم يمكن العبث به واختبار حدوده وإعادة فهم قواعده باستمرار. ومن هذه النقطة بالتحديد تبدأ اللعبة في تجاوز الشكل المعتاد لألعاب العالم المفتوح وتتحول إلى تجربة تقوم على الحرية الفعلية في الفعل والتجريب لا على مجرد التنقل بين المهام والمواقع.

اللافت في Crimson Desert أن اللعبة لا تفرض على اللاعب طريقة واحدة صارمة للتعامل مع العالم بل تدعوه بصورة متكررة إلى اختبار ما يمكن فعله داخله وكأنها تقول له إن القواعد الموجودة ليست جدرانا مغلقة بل خطوطا مرنة يمكن التحرك بينها بقدر كبير من الابتكار. وحتى الأنظمة التي تبدو في ظاهرها محددة وواضحة تترك مجالا واسعا للتأويل والتجريب والتلاعب الذكي. وهذا ما يجعل التفاعل مع العالم ممتعا إلى هذا الحد لأن اللاعب لا يكتفي بتنفيذ ما هو متوقع منه بل يبدأ في التفكير بما هو ممكن وما الذي قد يحدث إذا حاول شيئا غير مألوف أو سلك طريقا لا يبدو أنه صمم أصلا ليكون الخيار الطبيعي. ومن خلال هذا الإحساس المستمر تنجح اللعبة في خلق علاقة أكثر حيوية بين اللاعب والعالم لأن كل فعل يتحول إلى محاولة وكل محاولة تحمل احتمالا حقيقيا للمفاجأة.

الميزة الأبرز في Crimson Desert ليست حجم المحتوى فقط وليست عدد الأنشطة المنتشرة في عالمها ولا حتى تنوع الفرص التي تضعها أمام اللاعب. الميزة الأهم هي الطريقة التي يمكن بها تنفيذ كل ذلك. فالكثير من الألعاب تقدم عالما مليئا بالأشياء التي يمكن فعلها لكن ما يميز Crimson Desert هو أن هذه الأشياء لا تبدو منفصلة أو جامدة أو محكومة بقوالب ثابتة. بل تبدو كأنها أجزاء من نظام أوسع يسمح بدرجة كبيرة من الحرية ويمنح اللاعب مساحة واسعة لابتكار الحلول واختيار الأساليب التي تناسبه. ومن هنا تصبح المتعة نابعة من الفعل نفسه لا من النتيجة وحدها. أي إن اللعبة تجعل الرحلة نحو الهدف أكثر أهمية من الهدف ذاته وتجعل الوسيلة جزءا من الإبهار لا مجرد طريق للوصول.

وفي كثير من اللحظات تمنح Crimson Desert اللاعب ذلك الشعور النادر بأن اللعبة تسمح له بتجربة شيء يبدو وكأنه يتجاوز حدود المنطق المتوقع داخلها. وكأنك تحاول فعلا لا يفترض أن ينجح ثم تكتشف أن العالم لم يرفضه بل استجاب له بصورة كاملة. وهذا النوع من اللحظات هو ما يصنع الإحساس الحقيقي بالدهشة لأنه يحرر اللاعب من التوقعات التقليدية التي تعودت عليها ألعاب كثيرة. فبدلا من أن تقول له اللعبة هذه هي الأداة وهذه هي الوظيفة المحددة لها وهذه هي النتيجة الوحيدة الممكنة تبدأ هنا بفتح المجال أمام احتمالات أوسع وتجعل كل تجربة فرصة لاكتشاف جديد. ومن خلال هذا الأسلوب يشعر اللاعب أن العالم لا يعامله كمجرد منفذ لتعليمات مسبقة بل كطرف نشط يملك القدرة على التأثير والابتكار.

وما يزيد هذا التميز وضوحا أن Crimson Desert لا تعتمد فقط على التجريب كفكرة سطحية أو كعنصر جانبي يمنح التجربة بعض التنوع بل تبني عليه جوهر عالمها غير المقيد. فحتى الألعاب التي اشتهرت بإتاحة مساحة كبيرة للتجريب لا تصل بسهولة إلى هذا المستوى من الانفتاح الذي تقدمه هنا. والسبب أن Crimson Desert لا تجعل التجريب مجرد ميزة داخل نظام اللعب بل تجعله لغة العالم نفسه. وهذا ما يمنح التجربة طابعا غير مكتوب بصورة كاملة مسبقا لأن كثيرا مما يحدث لا يبدو وكأنه نتيجة مشاهد أو سيناريوهات معدة بدقة بقدر ما يبدو نتيجة طبيعية لتفاعل الأنظمة مع بعضها ومع اختيارات اللاعب. وهنا تظهر قوة اللعبة الحقيقية لأنها لا تكتفي بإعطاء اللاعب أدوات بل تمنحه عالما يعرف كيف يتجاوب مع تلك الأدوات بمرونة وذكاء.

لهذا تبدو Crimson Desert مختلفة عن غيرها ليس لأنها أكبر أو أغنى فقط بل لأنها تعيد ترتيب الأولويات داخل تجربة العالم المفتوح. فهي لا تسأل اللاعب فقط عما يريد أن يفعله بل تمنحه مساحة ليتساءل كيف يمكنه أن يفعله. وهذا التحول البسيط في الظاهر يصنع فارقا هائلا في الإحساس العام بالتجربة لأن الحرية هنا لا تقاس بعدد الأنشطة بل بمدى تنوع الطرق التي يمكن بها التعامل مع كل نشاط وكل موقف وكل فرصة داخل العالم. وعندما تصل لعبة إلى هذه الدرجة من المرونة فإنها لا تعود مجرد لعبة عالم مفتوح تقليدية بل تصبح مساحة لعب حقيقية تحتفي بالفضول والمغامرة والتجريب وتكافئ اللاعب على رغبته في تجاوز المألوف واكتشاف ما لم يكن يتوقعه.

Crimson Desert ومتعة الطريق قبل الغاية

ولهذا السبب تحديدا لا أجد أي صعوبة في تشغيل Crimson Desert من دون أي خطة مسبقة أو هدف واضح أريد الوصول إليه ففي كثير من الألعاب يشعر اللاعب بأنه مطالب منذ اللحظة الأولى بتحديد المهمة التالية أو تتبع النقطة القادمة على الخريطة أو رسم مسار دقيق لما ينبغي فعله. أما هنا فالأمر مختلف تماما لأن اللعبة لا تضغط على اللاعب بهذا الشكل ولا تجعله أسيرا دائما لفكرة الإنجاز المنظم. بل على العكس تمنحه إحساسا مريحا بأن مجرد الدخول إلى العالم يكفي أحيانا لكي تبدأ المتعة من تلقاء نفسها. وكثيرا ما يحدث أن يقف اللاعب أمام الخريطة طويلا وهو يحاول أن يقرر ما الذي ينبغي فعله بعد ذلك ثم يكتشف في النهاية أن أفضل قرار ليس اختيار علامة جديدة على الخريطة بل إغلاقها تماما والبدء في السير فحسب. وهذه من أجمل الصفات التي يمكن أن تمتلكها لعبة عالم مفتوح لأن معناها أن العالم نفسه أصبح قادرا على قيادة التجربة من دون حاجة دائمة إلى التوجيه المباشر.

Crimson Desert لا تبدو كلعبة تقوم على الأهداف الصارمة بقدر ما تبدو كتجربة معيشة داخل عالم واسع تتشكل لحظاتها الأجمل بصورة عفوية وغير مخطط لها. فبدلا من أن تكون أفضل الذكريات مرتبطة دائما بالمهمات الكبرى أو اللحظات التي صممت بعناية لتكون مشاهد مؤثرة فإن كثيرا من متعتها الحقيقية يولد من تلك اللحظات الصغيرة التي لم يكن اللاعب ينوي الوصول إليها من الأصل. ربما تبدأ الرحلة بفكرة بسيطة جدا ثم تنفتح أمامك سلسلة من الاحتمالات والمواقف والاكتشافات التي لم تكن في الحسبان. وهنا تظهر قوة اللعبة لأنها لا تحصر المتعة في ما هو مرسوم مسبقا بل تترك مساحة واسعة لما يمكن أن ينشأ تلقائيا من احتكاك اللاعب بالعالم.

إنها من تلك الألعاب التي تخرج فيها بنية القيام بشيء واحد ثم تجد نفسك قد انشغلت بخمسة أشياء أخرى من دون أن تشعر بأن ذلك عبء أو تشتيت مزعج. وفي ألعاب كثيرة قد يؤدي هذا النوع من التفرع إلى الإرباك أو الإرهاق لأن كثرة الأنشطة قد تجعل التجربة تبدو مفككة أو مزدحمة أكثر مما ينبغي. لكن Crimson Desert تنجح في تفادي هذا الإحساس لأن كل ما يحدث داخل عالمها يبدو منسجما مع طبيعته العامة. فالانحراف عن المسار لا يشعر اللاعب بأنه فقد الاتجاه بل يجعله يشعر بأنه يعيش العالم كما ينبغي. ولهذا فإن الانتقال من فكرة إلى أخرى ومن نشاط إلى آخر لا يبدو فوضويا بل يبدو طبيعيا وممتعا وكأنه جزء أصيل من الإيقاع الذي صممت عليه التجربة.

ولهذا ظل كثير من اللاعبين يتحدثون باستمرار عن أن الاستكشاف في Crimson Desert يملك قدرة واضحة على سحبهم بعيدا عن الطريق الرئيسي. وليس المقصود هنا مجرد وجود أماكن جانبية أو أنشطة فرعية كثيرة بل المقصود أن الرحلة نفسها تصبح أكثر إثارة وجاذبية من الهدف الذي كان اللاعب ينوي الوصول إليه في البداية. فقد تبدأ المسير وفي ذهنك مهمة محددة ثم تكتشف بعد قليل أن الطريق نفسه يقدم لك من التفاصيل والمفاجآت والفرص ما يجعلك تؤجل تلك المهمة من دون أي شعور بالذنب أو التأخير. وهذا في الحقيقة دليل مهم على نجاح اللعبة لأن العالم المفتوح يبلغ ذروة قوته عندما يجعل الطريق أكثر حيوية من الغاية وعندما يدفع اللاعب إلى التوقف والانحراف والتأمل بدافع الفضول لا بدافع المكافأة فقط.

ومن هنا تبدو Crimson Desert لعبة تفهم جيدا أن الاستكشاف ليس نشاطا ثانويا يضاف إلى المهمات الأساسية بل هو القلب الحقيقي للتجربة. فاللعبة لا تقول للاعب اذهب مباشرة إلى هدفك ثم عد لاحقا لتجربة ما تبقى بل تمنحه منذ البداية شعورا بأن كل اتجاه يمكن أن يكون جديرا بالاهتمام وأن كل خطوة قد تحمل تجربة تستحق الانتباه. وهذا ما يمنح العالم قيمة فعلية لأنه لا يصبح مجرد مساحة فاصلة بين الأهداف بل يتحول إلى مصدر دائم للمفاجأة والتشويق. وعندما تصل اللعبة إلى هذه المرحلة فإنها لا تعود معتمدة على نظام المهمات وحده لكي تبقي اللاعب منخرطا بل يصبح العالم نفسه هو الدافع الأكبر للاستمرار.

وفي النهاية يمكن القول إن Crimson Desert تنجح في تقديم نوع نادر من المتعة يقوم على الحرية الهادئة لا على الإلحاح المستمر. فهي لعبة لا تطلب منك دائما أن تعرف ماذا تريد بالضبط قبل أن تبدأ لأن أجمل ما فيها قد يأتيك وأنت لا تبحث عنه أصلا. وهذا ما يجعلها تجربة مميزة بحق لأن أفضل لحظاتها ليست تلك التي وضعتها الخريطة أمامك بوضوح بل تلك التي صنعتها بنفسك حين تركت المجال للعالم لكي يقودك. وعندما تصبح الرحلة أكثر إثارة من الوجهة ويصبح التجوال أكثر قيمة من تنفيذ الخطة فإن اللعبة تكون قد حققت واحدا من أهم أسرار النجاح في هذا النوع.

اقرأ المقال كاملاً على سعودي جيمر