7300 هكتار في مهبّ النيران ولبنان يعدّ منصة جديدة لمواجهة الحرائق
احترق نحو 7300 هكتار من الأراضي في لبنان منذ بداية العام، في رقم يفوق بأشواط المساحات التي طالتها النيران خلال الفترة نفسها من العام الماضي، والتي لم تتجاوز نحو 160 هكتاراً. وبينما لا يزال موسم حرائق الغابات في بدايته، يطرح هذا الواقع أسئلة ملحّة عن قدرة لبنان على الحد من الخسائر، والاستعداد لمواجهة خطر يهدد الثروة الحرجية والتنوع البيولوجي والأراضي الزراعية.
فما الإجراءات الوقائية التي يمكن اتخاذها لتقليل مخاطر اندلاع الحرائق؟ وما الذي تكشفه أرقام حرائق الصيف الماضي مقارنة بما يشهده البلد اليوم؟
من 2,256 هكتاراً إلى 7300
يكشف الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان شادي عبدالله لـ"النهار" أن المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر يوثّق حرائق الغابات على المستوى الوطني عبر صور الأقمار الاصطناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد، إضافة إلى التحقق الميداني، بالتعاون مع الجهات المختصة.
وخلال موسم الحرائق الماضي، سُجّل نحو 2421 حادث حريق في مختلف المناطق اللبنانية، أدت إلى احتراق حوالى 2256 هكتاراً بدرجات متفاوتة. وشملت الأضرار 631 هكتاراً من الغابات و192 هكتاراً من الأشجار المثمرة، فيما توزعت المساحات الأخرى بين الأراضي العشبية والشجيرات والغطاء النباتي الطبيعي.
أما جغرافياً، فسجّلت محافظة الجنوب النسبة الأعلى من الحرائق بحوالى 34%، تلتها النبطية بـ19%، فجبل لبنان بـ13%، وعكار بـ12%.
لكن العام الحالي يحمل واقعاً استثنائياً، إذ يشير عبدالله إلى أن المساحات المحترقة بسبب استخدام القنابل الفوسفورية بلغت نحو 7300 هكتار، مقارنة بنحو 160 هكتاراً خلال العام الماضي، ما يعكس حجم الأثر البيئي الذي طال الغابات والأراضي الزراعية والتنوع البيولوجي.
ومنذ بداية العام، سُجّل نحو 226 حريقاً، توزعت بين 41 في الأراضي الحرجية و30 في الأشجار المثمرة و215 في الأعشاب والأراضي العشبية. وتصدّرت محافظة الجنوب عدد الحرائق بـ88 حريقاً، تلتها النبطية بـ48، ثم البقاع بـ19 والشمال بـ18.

الوقاية قبل اشتعال النار
يشدد عبدالله على أن الحد من حرائق الغابات يبدأ بالإجراءات الوقائية، إذ توصي الإستراتيجية الوطنية للحد من مخاطر حرائق الغابات بمجموعة خطوات أساسية، أبرزها:
-الامتناع عن إشعال النيران في الأحراج أو بالقرب منها، وعدم حرق الأعشاب أو المخلفات الزراعية إلا وفق الأنظمة المرعية وبعد الحصول على التراخيص اللازمة.
-عدم رمي أعقاب السجائر أو أي مواد قابلة للاشتعال في المناطق الحرجية أو على جوانب الطرق.
-تجنب استخدام المعدات أو الآليات التي قد تولّد شرارات بالقرب من الغطاء النباتي، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة والرياح والجفاف.
-تنظيف محيط المنازل والمنشآت الواقعة بالقرب من الغابات والأعشاب اليابسة والأغصان والمواد القابلة للاشتعال.
-عدم ترك النفايات أو الزجاجات والمواد العاكسة لأشعة الشمس في المناطق الطبيعية.
-التزام الإرشادات والتحذيرات الصادرة عن الجهات الرسمية، ومتابعة نشرات خطر الحرائق الصادرة عن المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر، خصوصا خلال الأيام ذات الخطورة المرتفعة.
- التعاون مع البلديات والمجتمعات المحلية في أعمال الوقاية، مثل تنظيف الأحراج، والمحافظة على مسالك الوصول إلى الغابات.
أما عند اندلاع أي حريق، فيدعو إلى الإبلاغ الفوري عبر الدفاع المدني أو الأجهزة المختصة أو من خلال تطبيق LebAlert، الذي يتيح للمواطنين تلقي إشعارات فورية عند وجودهم ضمن مناطق ذات خطر مرتفع، شرط تفعيل التنبيهات وتحديد الموقع، إلى جانب عدم محاولة إخماد الحرائق الكبيرة فرديا.
إلى ذلك، يقول عبدالله إن "الوقاية والكشف المبكر والإبلاغ السريع، ركائز أساسية للحد من انتشار حرائق الغابات وتقليل خسائرها البيئية والاقتصادية والبشرية".

لبنان يستعدّ لمنصّة Fire WATCH
في إطار الإجراءات المتبعة لرصد الحرائق واحتوائها، تعتمد إدارة حرائق الغابات وفق المعايير الدولية على أربعة أركان:
-فهم المخاطر.
-الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر.
-نشر التحذيرات.
-الاستجابة الميدانية.
ويكشف عبدالله أن المركز حدّث هذا العام منظومة التنبؤ في شكل كامل، من خلال إدخال خرائط حديثة لاستعمالات الأراضي والغطاء الأرضي، وتحديث بيانات الحرائق السابقة والمساحات المحترقة والتوسع العمراني، ما سمح بإنتاج خرائط أكثر دقة لمخاطر الحرائق. كذلك يعمل المركز على تشغيل نظام محاكاة انتشار الحرائق Fire Propagator، الذي يسمح بتوقع تطور الحريق آنيّا ودعم قرارات فرق الاستجابة.
أما الخطوة الأبرز، فهي قرب إطلاق منصة Fire WATCH، وهي منظومة تعتمد على صور الأقمار الاصطناعية لرصد الدخان والحرائق في شكل شبه آني، حيث تُحدَّث المعلومات كل 15 دقيقة وترسل التنبيهات عند رصد مؤشرات اندلاع حريق. وقد تمّ تطويرها داخل المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان.
في المحصّلة، ليست حرائق الغابات مجرد خسارة لأشجار تحترق، بل هي ضرر يطال منظومة بيئية كاملة. فكل هكتار يُفقد يعني تراجعاً في التنوع البيولوجي، وتدهوراً في التربة والموارد المائية، وخسارة لسنوات طويلة تحتاج إليها الطبيعة لاستعادة توازنها.
وفي لبنان حيث تتداخل مخاطر طبيعية عدة، يضاف اليوم عامل جديد أكثر تعقيداً يتمثل في الأضرار البيئية الناتجة من النزاعات والاستهدافات العسكرية. وبينما يمكن مواجهة جزء من هذه المخاطر عبر الوقاية والإنذار المبكر وتعزيز الجهوزية، يبقى السؤال الأكبر عن قدرة حماية البيئة خلال الحروب، التي قد تمتد آثارها لسنوات على الغابات والزراعة ودورة الحياة البيئية بأكملها.