8 أسباب منعت برميل النفط من الوصول إلى 200 دولار!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يقول منطق الصدمة إن على النفط أن يصعد إلى مستوياتٍ تاريخية: حرب في الخليج، إغلاق فعلي لمضيق هرمز، تراجع في صادرات دول خليجية، ارتفاع تكلفة التأمين والشحن، وتعطّل جزء من البنية التحتية للطاقة. بل إن سيناريو 200 دولار لم يكن تهويلاً، إذ نقلت "رويترز" في آذار/مارس الماضي أن تهديد إيران بدفع النفط إلى 200 دولار "لم يعد بعيد الاحتمال"، خصوصاً أن نحو خُمس الإمدادات العالمية، أو ما يقارب 20 مليون برميل يومياً، كان عالقاً بفعل الإغلاق الفعلي لهرمز. 

مع ذلك، ظل خام برنت بعيداً عن 200 دولار. بلغ ذروة يومية عند نحو 138 دولاراً في 7 نيسان/أبريل، وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يدور في فلك 106 دولارات في أيار/مايو الجاري وحزيران/يونيو الآتي، قبل أن يتراجع إلى نحو 89 دولاراً في الربع الأخير من 2026.

في قراءةٍ أولى، السوق النفطية لم تنكر خطورة حرب إيران، لكنها لم تسعّر "نهاية الإمدادات"، إنما آثرت تسعير أزمة كبيرة قابلة للاحتواء جزئياً. فلم يصل النفط إلى 200 دولار لـ 8 أسباب:

 

1- السعر ارتفع لكنه لم يدخل منطقة "الذعر الكامل"

خطأ القول إن السوق بقيت هادئة، فالأرقام تؤكد أن صدمة الطاقة ضخمة: يصف البنك الدولي ما يحدث حتى الساعة بأنه "أكبر صدمة في أسواق السلع منذ غزو روسيا لأوكرانيا"، متوقعاً ارتفاع أسعار الطاقة 24% في 2026، ومشيراً إلى أن مضيق هرمز يتعامل عادةً مع نحو 35% من تجارة النفط الخام المنقولة بحراً، وأن الصدمة الأولية خفّضت الإمدادات العالمية بنحو 10 ملايين برميل يومياً. لكن، رغم ذلك، لم يضع البنك الدولي سيناريو أساسياً عند 200 دولار، إنما توقع وصول برميل خام برنت إلى عتبة 86 دولاراً في 2026، مع سيناريو تصاعدي يصل إلى 115 دولاراً إن تجددت الحرب، وطاولت الصواريخ الإيرانية منشآت خليجية وعطلتها. كذلك، لم تتعامل المؤسسات الكبرى مع سعر 200 دولار للبرميل بوصفه سيناريو مركزياً، بل بوصفه "سيناريو ذيل المخاطر"، أي نتيجة محتملة فقط إذا اجتمع الإغلاق الطويل واستمرار الحرب وتدمير أعمق للبنية التحتية وفشل كامل في المخزونات والبدائل.

 

2- "تراجع الطلب" بدأ قبل أن وصول السعر إلى 200 دولار

أهم سبب منع سعر برميل النفط من الارتفاع إلى 200 دولار هو أن الأسعار المرتفعة نفسها بدأت تقتل جزءاً من الطلب. خفّضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب العالمي في 2026 بنحو 420 ألف برميل يومياً، بعدما كانت تتوقع قبل الحرب طلباً أقوى بـ1,3 مليون برميل يومياً. كما توقعت انخفاض الطلب في الربع الثاني وحده بنحو 2,4 مليون برميل يومياً على أساس سنوي، مع تضرر واضح في البتروكيماويات والطيران والاستهلاك النهائي. هذا أيضاً رأي إدارة معلومات الطاقة الأميركية، إذ خفّضت توقع نمو الطلب العالمي في 2026 من 600 ألف برميل يومياً إلى 200 ألف فقط، وذكرت أن الأسعار الأعلى ستقود إلى خفض الطلب وتساعد السوق على التحرك نحو التوازن. بمعنى آخر، كلما اقترب السعر من مستويات خانقة، بدأ المستهلكون والمصانع وشركات الطيران والحكومات والمصافي بتقنين الاستهلاك. وهنا تكمن المفارقة: كي يصل سعر برميل النفط إلى 200 دولار، على الطلب أن يستمر قوياً رغم ارتفاع السعر. إلا أن استمرار الحرب وارتفاع السعر أضعفا الطلب.

 

3- المصافي خفّضت الشراء، فخفّ الضغط على الخام

لا يرتفع سعر برميل النفط الخام بسبب نقص المعروض فحسب، بل لأن المصافي تريد شراء النفط فوراً. لكن في هذه الأزمة، جزء من المصافي خفّض التشغيل لأنه لم يعد قادراً على الحصول على النفط الخام، أو لأن هوامش المنتجات والقيود اللوجستية جعلت التشغيل أصعب. تقول وكالة الطاقة الدولية إن تشغيل المصافي سيتراجع بنحو 4,5 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، وبنحو 1,6 مليون برميل يومياً للعام كله، نتيجة للأضرار التي أصابت البنية التحتية النفطية في دول الخليج، بسبب الصواريخ والمسيرات الإيرانية، ونتيجة لقيود التصدير ونقص المواد الأولية. إلى ذلك، تراجعت واردات الصين البحرية من الخام بنحو 3,6 ملايين برميل يومياً، واليابان بنحو 1,9 مليون، وكوريا بمليون، والهند بـ760 ألف برميل يومياً. وهذا يعني أن الطلب الفوري تراجع، فخفف جزئياً من اندفاع السعر إلى مستويات كارثية.

 

 

حريق في منطقة صناعة النفط بالفجيرة الإماراتية، بسبب حطام بعد اعتراض الدفاعات الجوية الإماراتية مسيرة إيرانية، الإمارات، 4 مارس. (رويترز)

 

 

4- المخزونات الاستراتيجية تؤدي دور "الجسر"

في أزمات النفط الكبرى، يكون السؤال الأساس: كم برميلاً يمكن تعويضه موقتاً؟ وقد أوضحت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن توقعاتها تشمل الإفراج الأميركي من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي المعلن في 11 آذار/مارس، وكذلك السحب الجماعي من المخزونات الاستراتيجية الذي أعلنته وكالة الطاقة الدولية. لكن، هذا لا يحل المشكلة بنيوياً. فالمخزونات الاستراتيجية تشبه جهاز تنفس اصطناعياً: لا تشفي المريض، لكنها تمنحه وقتاً. لذلك، بقي السعر مرتفعاً جداً لكنه لم ينهَر، ولم نصل إلى منطق "كل النفط بأي ثمن".

5- إمدادات سريعة من خارج الخليج

في أزمة السبعينات، كانت قدرة العالم على التعويض أضعف كثيراً. اليوم، السوق أوسع وأكثر تنوعاً. وكالة الطاقة الدولية قالت إن المنتجين خارج الشرق الأوسط رفعوا الإنتاج والصادرات إلى مستوياتٍ قياسية استجابة للأزمة؛ وتوقعت ارتفاع إمدادات الأميركتين بـ1,5 مليون برميل يومياً في 2026، أي أكثر بـ600 ألف برميل يومياً من توقعات بداية العام. كما زادت صادرات حوض الأطلسي من الخام بنحو 3,5 ملايين برميل يومياً منذ شباط/فبراير، خصوصاً من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وكازاخستان وفنزويلا، متجهة إلى أسواق شرق السويس المتضررة. صحيح أن نفط الخليج لا يُستبدل بسهولة، خصوصاً من حيث النوعية والمسافة والتكلفة، لكن وجود نفط بديل منع السوق من التصرف كما لو أن كل النقص دائم وغير قابل للتعويض.

6- السوق راهنت على فتح مضيق هرمز تدريجاً

معروف أن الأسعار لا تعكس توقعات اليوم فقط، بل تعكس أيضاً توقعات الأشهر المقبلة. إدارة معلومات الطاقة افترضت أن يعود عبور هرمز تدريجاً في حزيران/يونيو، وأن يعود بعض الإنتاجات المتوقفة، ولذلك توقعت هبوط سعر برميل برنت من نحو 106 دولارات في أيار/مايو وحزيران/يونيو إلى 89 دولاراً في الربع الرابع. كما قالت إن بقاء المضيق مغلقاً شهراً إضافياً، حتى أواخر حزيران/يونيو، قد يضيف أكثر من 20 دولاراً الى سعر البرميل مقارنةً بتوقعاتها الحالية. وهذا يشرح لماذا لم يصل السعر إلى 200 دولار. فالسوق لم تسعّر إغلاقاً دائماً، بل إغلاقاً مؤلماً لكنه قابل للتراجع. و"رويترز" أشارت في آذار/مارس إلى أن المتعاملين كانوا يمنحون إدارة ترامب "فائدة الشك"، ويراهنون على أن الأزمة ستُفك سريعاً وأن هرمز سيعاد فتحه.

 

 

خط شرق - غرب السعودي البديل للإمداد النفطي. (أكس)

 

 

7- وجود طرق بديلة، ولو محدودة، خفّف الذعر

ليست كل صادرات الخليج محكومة بالمضيق بالدرجة نفسها. السعودية مثلاً تستطيع استخدام خط شرق-غرب إلى البحر الأحمر، وإن كان ذلك لا يعوض صادرات المنطقة كاملة. تقارير عن "أرامكو السعودية" أشارت إلى أنها استخدمت خط الأنابيب إلى ينبع لتجاوز هرمز، وساعدها ذلك في الحفاظ على جزءٍ كبير من صادراتها، بينما حذر الرئيس التنفيذي أمين الناصر من أن استمرار التعطل قد يؤخر عودة السوق إلى التوازن حتى 2027. رأت السوق "ثغرات نجاة"، ليست كافية لإلغاء الأزمة، لكنها كافية لمنع تسعير "سيناريو الفناء الكامل".

8- السوق فرّقت بين نقص الخام ونقص المنتجات

أحد أسباب عدم وصول الخام إلى 200 دولار أن الأزمة انتقلت جزئياً إلى سوق المنتجات: الديزل، وقود الطائرات، النافثا، والغاز المسال. وكالة الطاقة الدولية قالت إن هوامش التكرير بقيت مرتفعة تاريخياً، وأن ضغوط المنتجات بدأت تظهر بقوة، خصوصاً مع تراجع صادرات الخليج من المنتجات. بكلام أبسط، توزعت تداعيات الأزمة على أسعار الوقود وتكلفة الشحن والتأمين والغاز والأسمدة والمعادن. لذلك، قد لا نرى 200 دولار على شاشة برنت، لكننا سنرى الصدمة في تضخم الغذاء وتذاكر السفر والديزل والأسمدة وتكلفة الإنتاج. وبحسب البنك الدولي، قد ترتفع أسعار الأسمدة 31% في 2026، مع قفزة 60% في اليوريا، وقد يصل التضخم في الاقتصادات النامية إلى 5.1%، أي أعلى بنقطة مئوية كاملة مما كان متوقعاً قبل اندلاع حرب إيران.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية