أجعير: المؤرخ جندي في معركة الذاكرة .. ومناهج التاريخ تحتاج نفساً جديداً

لا يُختزل التاريخ في كونه سردًا لما مضى، إذ يتجاوز ذلك إلى ما يستمر أثره في الوعي الجماعي ويؤثر في طريقة فهم الحاضر؛ لذلك لا تبدو الكتابة التاريخية عملًا محايدًا، وإنما مجالًا تتقاطع فيه الوقائع مع التأويل، وتتشكل فيه الذاكرة تحت تأثير موازين القوة والمعرفة. وعند استحضار تاريخ المغرب، يبرز سؤال مركزي يتعلق بكيفية قراءته: هل كما وقع فعلًا، أم كما صيغت روايته عبر مصادر متعددة لا تنتمي كلها إلى سياقه الأصلي؟

في حوار هسبريس مع الكاتبة والباحثة المغربية حياة أجعير، يُطرح التاريخ بوصفه موضوعًا للنقاش النقدي لا مجرد مادة للتوثيق، حيث تنطلق أجعير من قراءة تستحضر تعقيد المرحلة التي سبقت فرض الحماية، وتشير إلى أن التدخل الأجنبي لم يكن نتيجة مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما حصيلة مسار طويل من التغلغل عبر المعاهدات والامتيازات الاقتصادية والتأثير القانوني.

هذه المقاربة تفتح نقاشًا مرتبطًا بطبيعة الهوية وحدود الذاكرة، خاصة حين تُبنى معرفة الماضي على وثائق كُتبت في سياقات غير محلية، كما تطرح سؤال موقع المغرب في توازنات القرن التاسع عشر، ودور موقعه الجغرافي وتماسكه الحضاري في استهدافه، إلى جانب تأثير الأوضاع الداخلية التي ساهمت في تسهيل هذا المسار.

كما يتوقف الحوار عند أدوار النخب المغربية في تلك المرحلة، في سياق اتسم بتداخل العوامل الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل قراءة هذه الأدوار مرتبطة بفهم تعقيد اللحظة التاريخية بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، ويعيد في الآن نفسه طرح مسألة الوعي التاريخي وحدود القدرة على إنتاج معرفة مستقلة بالماضي في ظل الاعتماد على أرشيف موزع بين لغات ورؤى مختلفة.

بهذا المعنى، لا يظهر تاريخ المغرب كوقائع منتهية، وإنما كمسار مفتوح على التأويل يفرض إعادة قراءته في ضوء أسئلة الحاضر؛ حيث لا يتعلق الأمر فقط بما حدث، وإنما بكيفية فهمه، وبالقدرة على توظيفه في بناء وعي تاريخي متماسك.

نص الحوار

أستاذة حياة أجعير، حين نعود إلى الوثائق التاريخية التي تكشف أطماع القوى الأجنبية في المغرب، هل نحن أمام تاريخ من المواجهة الصريحة أم أمام تاريخ من الاختراق الناعم الذي اشتغل عبر المعاهدات والامتيازات والتغلغل الاقتصادي قبل المدافع والبوارج؟

تظهر الوثائق الدبلوماسية والاقتصادية أن التغلغل الأجنبي في المغرب منذ القرن التاسع عشر، وخاصة بعد معركة إيسلي، لم يبدأ بالمواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر مسار طويل من التغلغل التدريجي. فقد اعتمدت القوى الأوروبية على أدوات متعددة مثل المعاهدات التجارية، نظام الحماية القنصلية والامتيازات الاقتصادية، وهي آليات قانونية واقتصادية سمحت بتوسيع النفوذ داخل المجتمع والاقتصاد المغربي قبل اللجوء إلى القوة العسكرية. ومن خلال اطلاعنا على الوثائق الفرنسية والإسبانية، فإن المرحلة التي سبقت توقيع معاهدة الحماية لم تكن دائمًا مرحلة تنافس وصدام، بل كانت تتخذ أحيانًا شكل تفاهمات دبلوماسية حول مناطق النفوذ، وهو ما كشف أن مسار التغلغل الاستعماري لم يكن مجرد مواجهة مباشرة مع المغرب، بل كان أيضًا نتاج توازنات أوروبية معقدة انعكست على المجال المغربي.

وقبل توقيع معاهدة الحماية، أرسلت القوى الأوروبية بعثات استخباراتية مكنتها من تحديد مواطن الضعف للدولة المغربية، ثم تلتها معاهدات مجحفة: بدأت باتفاقية تجارية مع بريطانيا العظمى سنة 1856، التي قوضت السيادة الاقتصادية، والمعاهدة التجارية سنة 1861 مع إسبانيا، ثم معاهدة بيكلار مع فرنسا التي وسعت نظام الحماية القنصلية، وانتهاء بمؤتمري مدريد والجزيرة الخضراء اللذين أخضعا المغرب لوصاية دولية كاملة. وهذه كلها أشكال من أشكال الاختراق الناعم، وهو ما جعل المواجهة العسكرية لاحقًا حاسمة لصالحهم.

إلى أي حد يمكن القول إن المغرب كان مستهدفًا بسبب موقعه الجيوسياسي فقط، أم أن تماسكه الحضاري والديني شكل بدوره تهديدًا لمشاريع الهيمنة الأوروبية منذ القرن التاسع عشر؟

لا شك أن الموقع الاستراتيجي للمغرب كان عاملًا مركزياً في استهدافه بواجهتيه المتوسطية والأطلسية وعمقه الإفريقي، خاصة بعد فتح قناة السويس التي زادت من أهمية البحر المتوسط، فأصبح له بوابتان: الشرقية والغربية. وقد تطلب احتلال المغرب الكثير من جس النبض من جانب الأوروبيين الذين كانوا يقيمون اعتبارًا خاصًا لقوة المغرب، سواء عسكريًا أو سياسيًا، بالنظر إلى عراقة نظامه السياسي المستقل عن الخلافة العثمانية. لكن الوثائق والمراسلات الدبلوماسية كشفت أن المغرب كان ينظر إليه كفضاء سياسي وحضاري يتمتع بدرجة من التماسك المؤسساتي والديني، وهو ما منح الدولة المغربية القدرة على الاستمرار لقرون عديدة.

أما الحديث عن التهديد الحضاري فهو صحيح إلى حد ما، ولو بطريقة غير مباشرة، وذلك بمحاولة فصل المجتمع المغربي عن تاريخه وثوابته. وما المؤتمرات التي عقدت قبل توقيع عهد الحماية إلا دليل على إدراك القوى الأوروبية لأهمية المغرب الاستراتيجية والحضارية.

عندما نقرأ نصوص المعاهدات التي فُرضت على المغرب قبيل الحماية، نشعر أحيانًا أن اللغة القانونية كانت غطاءً لانتزاع السيادة تدريجيًا، كيف تفسرين هذا الانتقال من “التعاون” إلى “الوصاية” ثم إلى الاحتلال المقنّع؟

تفسيري لهذا الانتقال هو أن اللغة القانونية التي صيغت بها المعاهدات الثنائية التجارية خاصة في القرن التاسع عشر، تبدو ثنائية مثل معاهدة 1856 مع بريطانيا، لكنها في جوهرها كانت تقدم التدخل الأجنبي في إطار التعاون والإصلاح، وتفتح المجال لتقليص السيادة بشكل تدريجي ومقنن، بما يخدم المصالح الأوروبية. فالتوسع في نظام الحماية القنصلية والإعفاءات الضريبية ومنح امتيازات واسعة للأوروبيين، أفقد الدولة السيطرة على اقتصادها، وهذا شكل من أشكال “السيطرة المقنعة”. حاول السلطان الحسن الأول في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تجنيب البلاد مصير الوقوع في مخالب الدول الاستعمارية عبر إجراء إصلاحات كبرى في عدة مجالات: عسكرية، اقتصادية، اجتماعية وثقافية، إلا أنها باءت بالفشل لعدة أسباب لا يتسع المجال لذكرها. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مرحلة الإصلاحات المقترحة، والتي كانت في جوهرها وصاية، وتجسد ذلك بشكل واضح في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 حيث أخضع المغرب لمجموعة من الإصلاحات، وهي إصلاحات جردت الدولة من سيادتها، وكان هذا هو المدخل الحقيقي لفرض الحماية في 30 مارس سنة 1912.

هناك من يرى أن الضعف الداخلي كان مدخلاً للأطماع الأجنبية، هل كان التفكك السياسي والاقتصادي سببًا حاسمًا، أم أن المغرب كان سيُستهدف مهما بلغت قوته بحكم موقعه بين المتوسط والأطلسي وعمقه الإفريقي؟

من الصعب تفسير الظاهرة الاستعمارية بعامل واحد، فقد كانت هناك تحديات داخلية مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية، التي كانت هذه الدول الإمبريالية جزءًا وسببًا لها. لكن في الوقت نفسه، كان المغرب سيُستهدف مهما بلغت قوته بسبب موقعه وثرواته ودوره في التوازنات المتوسطية والإفريقية. يمكن القول إن الأزمات الداخلية في تلك الفترة كانت عاملًا مساعدًا جعل من مهمة القوى الأوروبية أقل تكلفة. ولا ننسى أيضًا محاولة لعب ورقة التوازنات الدولية، والهزائم التي مُني بها المغرب في معركة إيسلي وحرب تطوان، كل هذه الأسباب أدت إلى إجباره على تقديم الكثير من التنازلات.

في ضوء الوثائق التاريخية، كيف تقيمين دور النخب المغربية آنذاك؟ هل كانت مقاومة بما يكفي، أم أن بعض أشكال التواطؤ أو سوء التقدير ساهمت في تسريع فقدان القرار السيادي؟

تشير الوثائق التاريخية أن مواقف النخب المغربية اتسمت بالتباين وعدم تجانسها، فقد ظهرت داخل الدولة والمجتمع أصوات طالبت بالإصلاح ونبهت إلى خطر التغلغل الأجنبي ودعت إلى عصرنة الإدارة والجيش والمالية، غير أن هذه المبادرات اصطدمت بمعيقات منها: ضعف الموارد، شدة الضغوط الدولية، سياسة القروض التي أثقلت كاهل خزينة الدولة. بينما نجد تيارًا آخر انبهر بالقوة الأوروبية وانخرط في شبكات المصالح مع القوى الخارجية، ودخل في صراعات داخلية. لذلك لا يمكننا إصدار حكم على النخب المغربية آنذاك، فدراسة دورها تقتضي مقاربة تاريخية تأخذ بعين الاعتبار تعقيد السياقين الدولي والداخلي الذي كانت تتحرك فيه هذه النخب.

إذا اعتبرنا أن الوثيقة التاريخية تكشف التربص بالمغرب، فهل نملك اليوم وعيًا أرشيفيًا كافيًا لحماية ذاكرتنا من التزييف، أم أننا ما زلنا نقرأ تاريخنا بعيون الآخر؟

في الحقيقة، أنا أعتبر هذا السؤال يمس لب الإشكال المنهجي في الكتابة التاريخية المغربية المعاصرة، إذ ما زلنا نعاني من إشكالية مهمة وهي: هل نملك وعيًا أرشيفيًا؟

فبعد مرور أكثر من نصف قرن من استقلال المغرب، نجد أرشيفًا هائلًا عن بلادنا كتب بعيون المستعمر وبمنظوره وغاياته، وما زال الباحث المغربي مضطرًا للسفر إلى هذه الأرشيفات لكتابة تاريخ بلاده بوثائق كتبها المستعمر آنذاك.

لكن، ورغم كل هذا، فإن الدراسات التاريخية خلال العقود الأخيرة عرفت تطورًا مهمًا بفضل الانفتاح المتزايد على الأرشيفات الدولية والوطنية. فالأرشيفات الأمريكية والفرنسية والإسبانية على سبيل المثال توفر رصيدًا وثائقيًا هائلًا من الوثائق يتعلق بتاريخ المغرب الحديث والمعاصر والراهن، خاصة وأن جزءًا مهمًا من هذا الأرشيف أصبح متاحًا بصيغة رقمية، وهو ما فتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين المغاربة.

ويتضح أن هذه الأرشيفات تقدم معطيات مهمة حول التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها المغرب في سياق محيطه الدولي والإقليمي والداخلي. وهنا أعطي مثالًا عن تطور العلاقات الأمريكية المغربية، سواء خلال مرحلة مفاوضات الطرفين حول القواعد العسكرية في خمسينيات القرن الماضي، أو المرحلة المرتبطة بتطورات قضية الصحراء المغربية في سياق الحرب الباردة وما بعدها.

غير أن الحديث عن الأرشيف لا يقتصر على الأرصدة الوثائقية الموجودة خارج المغرب، بل يشمل أيضًا ما يوجد داخل بلدنا من وثائق تحتاج إلى مزيد من العناية العلمية والتنظيمية. فهناك العديد من المجموعات الأرشيفية خاصة المرتبطة بفترة الحماية ما تزال بحاجة إلى جهود أكبر في مجالات الفهرسة. وقد أتيحت لنا فرصة الاطلاع على جزء من الأرشيف الإسباني المودع في قبو المكتبة العامة بتطوان، وهي تجربة بسيطة لكنها كشفت لنا أهمية هذا الرصيد، وفي نفس الوقت أبرزت الحاجة إلى مزيد من العمل العلمي من أجل تنظيمه وفهرسته لفتحه أمام الباحثين واستثماره.

وهنا يمكن القول إن الإشكال الأساسي هو مدى قدرتنا على بناء ثقافة أرشيفية حقيقية تقوم على حفظ الذاكرة الوثائقية الوطنية وتسهيل الوصول إليها. كما أن تطوير البحث التاريخي يقتضي فتح المجال للباحثين ومؤرخي المستقبل للانخراط في العمل الأرشيفي والمشاركة في النقاشات العلمية حول هذا الموضوع، وهذه أحد الشروط الأساسية لاستمرارية المدرسة التاريخية المغربية وتطورها.

ولابد، ونحن نتحدث عن الأرشيف، أن نذكر مؤسسة “أرشيف المغرب” التي تقوم بصيانة التراث الأرشيفي الوطني، وهي خطوة مهمة واستراتيجية لبناء ذاكرة وطنية مستقلة، لكن الطريق ما زال طويلًا لأن الذاكرة الوطنية تواجه ما يمكن وصفه بالمنافسة و”العولمة الأرشيفية الأجنبية”، وتكمن في رقمنة بعض البلدان لأرصدتها الوثائقية وجعلها متاحة عبر منصات مؤسساتها العلمية، بينما نتخلف نحن عن هذا المضمار، مما يغري الباحث المغربي بالولوج للمنصات الأجنبية لكتابة تاريخه. كما أن السيادة على أرشيف الحقبة الاستعمارية يظل محدودًا في ظل تفوق المؤسسات الأرشيفية التي تملك وثائق هائلة عن تلك الفترة، مما يجعلها مرجعًا أساسيًا للباحثين المغاربة، وبالتالي نبقى أمام تبعية معرفية حقيقية.

إلى أي حد يمكن اعتبار معركة استرجاع السيادة معركة مستمرة بأشكال جديدة، اقتصادية وثقافية وإعلامية، حتى بعد نهاية الحماية الرسمية؟

بالتأكيد، معركة السيادة لم تنته برحيل آخر جندي عن بلادنا، فالاستقلال السياسي كان الباب، لكن بناء الدولة القوية وقدرتها على تعريف الذات أمام العالم هي جوهر السيادة في القرن الحالي. وفي هذا المجال، قطع المغرب أشواطًا مهمة في سبيل بناء سيادة اقتصادية وثقافية، وفي مواجهة الغزو الثقافي وطمس الهوية، والحفاظ على اللغة والثوابت الدينية.

في سياق الدفاع عن الوحدة الترابية، كيف يمكن استثمار الوثيقة التاريخية لتفنيد السرديات المعادية التي تحاول التشكيك في عمق الانتماء المغربي لأقاليمه الجنوبية؟

سؤال مهم. فعلًا، أثبتت الدراسات التاريخية والهيئات الوطنية المعنية بالأرشيف والدراسات التاريخية، بالاعتماد على الوثائق، ارتباط الصحراء بالمغرب منذ عصور ضاربة في القدم، وساهمت هذه الوثائق التاريخية في إبراز الامتداد التاريخي للعلاقات السياسية والاقتصادية والروحية بين المغرب وأقاليمه الجنوبية. فالمراسلات السلطانية والخرائط التاريخية، إضافة إلى الوثائق الدبلوماسية الأجنبية، تؤكد بشكل ملموس طبيعة هذه الروابط قبل المرحلة الاستعمارية.

لذلك، فسلاحنا في مواجهة الأطماع الخارجية هو الوثيقة التي تؤكد الحقيقة، واستثمارها يعني تحويل الصراع من صراع سياسي إلى صراع قانوني وتاريخي لتفنيد الأطروحات الانفصالية الواهية. ومن هنا نثمن جهود بعض المؤرخين المغاربة الذين انكبوا على هذا النوع من الكتابة التاريخية لإثبات وحدتنا الترابية. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المؤرخ يؤدي دورًا معرفيًا يشبه إلى حد ما دور الجندي، فكلاهما في حالة استعداد دائم لخدمة الوطن، غير أن المؤرخ يمارس هذه المسؤولية عبر الكتابة والدفاع عن الحقيقة بالحجة والوثيقة التاريخية والتحليل العلمي الأكاديمي.

هل تعتقدين أن تدريس تاريخ المغرب في المدارس يعكس حقيقة الصراع مع الأطماع الأجنبية، أم أنه يُقدَّم في صيغة مختزلة لا تُبرز حجم التضحيات ولا تعقيد الرهانات؟

لا شك أن تدريس التاريخ خطا بعض الخطوات، لكنها تبقى محدودة ولا ترقى إلى مستوى التحديات. فما زال التاريخ في مدارسنا رهينًا بين خطاب وطني للحفاظ على الذاكرة والهوية، وبين تحويل هذا التاريخ إلى مادة إنشائية جامدة قائمة على سرد البطولات والتواريخ المجردة. لذلك أرى أننا ما زلنا بحاجة ماسة إلى التجديد، والتعمق في تحليل البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساهمت في صناعة الحدث التاريخي.

ولبلوغ هذا الهدف، لابد من إصلاح حقيقي منفتح على الدراسات التاريخية الحديثة، عبر إشراك المؤرخين الجدد في كتابة المناهج الدراسية، وتعليم الشباب مهارات التفكير النقدي للقضايا التاريخية لا التلقين فقط. كما أننا بحاجة إلى إدماج البعد الأرشيفي في الممارسة التربوية، وربط الأجيال الصاعدة بالأرشيف وتمكينهم من قراءة الوثائق بأنفسهم واكتشاف تعقيدات الماضي لاستشراف المستقبل.

لو طلبنا منك رسالة موجزة إلى الشباب المغربي، ماذا تقولين لهم عن معنى السيادة اليوم؟ وهل الدفاع عن الوطن يبدأ من استحضار الوثيقة وفهم الماضي، أم من بناء مشروع تنموي وفكري يحصّن المستقبل؟

أقول للشباب المغربي: اهتموا بالتاريخ، لأن فهم الماضي هو درس من الدروس التي من خلالها نفهم كيف تنتهك الأمم، وكيف تنهض، كما نفهم مخططات الآخر وطرق تفكيره، وكيفية مواجهته. فمن لا ماضي له، لا حاضر له ولا مستقبل، وهو أحد أسس الدفاع عن الوطن، حتى لا تتكرر نفس الأخطاء.

أما من ناحية المشروع التنموي الفكري، فهو ضرورة ملحة، لأن تطوير الكفاءات البشرية هو من جهة حماية لهؤلاء الشباب من الاختراقات الفكرية بأدوات العولمة الحديثة، ومن جهة أخرى هو تعزيز للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن هذا المشروع هو شكل من أشكال الدفاع الاستباقي، فعندما يكون المجتمع قويًا ومتعلمًا وواعيًا، يصبح الوطن محصنًا أكثر من أي تهديد خارجي.

كلمة مفتوحة

إن قراءة تاريخ المغرب من خلال الوثائق الأرشيفية كشفت لنا أن هذا البلد ظل يشكل محورًا للتفاعلات الدولية، سواء في سياق التنافس الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر، أو في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى خلال القرن العشرين. ومن ثم، فإن تعميق البحث وحفظ الرصيد الوثائقي الوطني وتثمينه يعد ضرورة منهجية لتعميق فهمنا لتاريخ بلادنا. ولا يمكن لهذا المشروع أن يزدهر دون ضخ دماء جديدة من الباحثين الجدد، يحملون رؤى معاصرة تجعل من التاريخ أداة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل، مع التشبث بالثوابت الوطنية المغربية الأصيلة القائمة على الوسطية والتسامح.

The post أجعير: المؤرخ جندي في معركة الذاكرة .. ومناهج التاريخ تحتاج نفساً جديداً appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress