أحداث سبتة... من أزمة حدود مع المغرب إلى إشكالية الوحدة الأوروبية
من دون مؤشرات مسبقة، اجتاز عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين الحدود المغربية مع مدينة سبتة الإسبانية الواقعة شمالي المغرب. والنزوح الجماعي باتجاه أوروبا ليس جديداً، خصوصاً بعد الحرب في سوريا، وحدودها تواجه هذا التحدي يومياً، وإن بأشكال متفاوتة.
إنما الإشكالية هذه المرة أن حركة الهجرة جاءت من دون حرب، فيما ساهمت المشاهد الواردة من عين المكان في تصاعد حدّة الخلاف السياسي الأوروبي، خصوصاً مع الأعباء الاقتصادية التي ترزح تحتها القارة، والتي ساهمت في صعود اليمين المتطرف، وهو ما يهدد عملياً الفكرة التي نشأ من أجلها الاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، تقول كبيرة المستشارين في مركز الدراسات السياسية الأوروبية (CEPS)، كارين ميلشيور، إن ما حدث "يُستخدم بالفعل لتقسيم أوروبا"، و"سيشكل اختباراً لمدى قدرة الوحدة على الصمود في مواجهة حالة الطوارئ الحدودية".
وتحذّر، في حديثها مع "النهار"، من الوقوع في "الفخ"، عبر مقاومة القادة الأوروبيين "إغراء الجدال حيال الحدود والهجرة بدلاً من التركيز على استغلال الشعوب من قبل جهات فاعلة خارج أوروبا".
وسائل التواصل وخطاب الكراهية
وتربط ميلشيور الأزمة بملف الأمن السيبراني، مشيرة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة "إكس" وشركة "ميتا". وتقول إن إيلون ماسك يستخدم المنصة "للترويج لآرائه السياسية والسياسيين الذين يدعمهم في أوروبا"، وإن جزءاً من أجندته يقوم على "مهاجمة الوحدة الأوروبية والادعاء بأن طالبي اللجوء والمسلمين يقوّضون المجتمع الأوروبي والثقافة اليهودية المسيحية". وتضيف أن "ميتا" تخلّت عن آلياتها الدفاعية ضد خطاب الكراهية، ما أدى إلى تصاعد هذا النوع من المحتوى.
انقسام أوروبي
ظهر الانقسام الأوروبي أيضاً في الصحف، إذ تنوعت القراءات بين التعبير عن صدمة من هشاشة أمن الحدود والتحذير من التداعيات الاستراتيجية.
وفي وسائل الإعلام اليمينية، وُصف ما حدث بأنه "اجتياح" و"غزو"، وحُمّل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز المسؤولية بسبب قوانين الهجرة المحلية وتأثير قرارات المحكمة العليا بوقف الترحيل الفوري، التي قيل إنها شجعت على التدفق.
في المقابل، ركزت الصحافة اليسارية على الأبعاد الإنسانية، منتقدة الدعوات إلى تعليق اتفاقية "شنغن".
وانتقدت ميلشيور، التي شغلت بين عامي 2019 و2024 مقعداً في البرلمان الأوروبي ممثلةً الدنمارك، الإجراءات التي أعلنتها إيطاليا بشأن تعليق العمل باتفاقية "شنغن" مع إسبانيا، معتبرة أن رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني "لا تستند إلى قاعدة قائمة، بل تخترع واحدة".
وتؤكد أن "الحكومات لا يمكن أن تظهر بمظهر من لا يسيطر على حدوده، كما لا يمكنها التخلي عن نظام قائم على الحقوق"، بحيث تُنظَّم الهجرة وفق الالتزامات المتفق عليها في الاتفاقيات الدولية، محذّرة من أن استمرار هذا النهج سيدفع أوروبا أكثر نحو "التطرف وعدم المبالاة بالحقائق والقانون الدولي".

إخفاق استخباراتي أم رسالة سياسية؟
على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الثنائية بعد التأييد الإسباني الرسمي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، فإن ما حصل في سبتة فُسّر على أنه تقاعس أمني مغربي متعمد، ظهر من خلال عبور شاحنات محملة بالمهاجرين تحت أعين عناصر الأمن، بهدف توجيه رسالة احتجاج على تقارب مدريد مع الجزائر، وإثبات الدور الاستراتيجي للمغرب بالنسبة إلى أوروبا وأمن حدودها.
وفي الوقت نفسه، أجمعت كبريات الصحف الفرنسية والألمانية والإسبانية على أن الأزمة مثلت "إخفاقاً استخباراتياً حاداً" لمدريد، منتقدة "الاعتماد المفرط والخطير" على دول الطوق الخارجي لحماية أمن القارة.
وعلى أثر تفاقم الأزمة، أبرمت الرباط اتفاقاً أمنياً عاجلاً مع مدريد، أُعيد بموجبه عشرات الآلاف ممن عبروا الحدود، كما عززت السلطات المغربية قواتها الحدودية بعناصر إضافية وشاحنات مزودة بمدافع مياه.
ويرى الباحث في الشؤون الأوروبية والأطلسية الدكتور حسين الوائلي أن ما حدث يندرج في سياق سياسي متعدد الأوجه، يشمل التقارب الإسباني - الجزائري، وموقف إسبانيا من القضية الفلسطينية وغزة، والخلاف مع الولايات المتحدة بشأن تمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى دخول حركة "ماغا"، التي يتزعمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى أوروبا عبر دعم الأحزاب اليمينية.
أما اقتصادياً، فيشير الوائلي إلى الاتفاق الاستراتيجي الذي أُعلن في أواخر تموز/يوليو 2026 بين شركة "فورد" الأميركية وشركة "جيلي" الصينية لتأسيس مشروع تصنيعي مشترك داخل إسبانيا، معتبراً أنه أثار استياء الإدارة الأميركية. ويضيف أن فوز إسبانيا بكأس العالم ساهم أيضاً في استقطاب الاستثمارات.
أزمة تتجاوز الحدود
أخذت أحداث سبتة أبعاداً جيوسياسية أوسع، إذ ساهمت في زيادة التوتر بين إسبانيا وإسرائيل، في ظل تصاعد الخلاف بعد تحرك مدريد أوروبياً لفرض عقوبات على المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.
وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون عبر منصة "إكس" لتوجه انتقاداً مباشراً للحكومة الإسبانية، متسائلاً: "ربما حان الوقت لتشرح إسبانيا للعالم لماذا لا تزال تقيم مستوطنات وجيوباً استعمارية في أفريقيا قبل أن تواصل إعطاءنا الدروس".
وجاء الرد على لسان وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي، الذي أعاد نشر تدوينة دانون وكتب: "يبدو أن كل شيء أصبح أكثر وضوحاً"، في إشارة فُهمت على أنها اتهام لإسرائيل بالوقوف خلف ما جرى.
بدوره، سخر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من سانشيز، مطالباً إياه بفتح أبواب إسبانيا أمام الراغبين في الهجرة من غزة.
في المقابل، حاولت السفيرة الإسرائيلية لدى إسبانيا دانا إيرليتش التخفيف من حدّة التوتر، مؤكدة أن تصريحات دانون لا تمثل موقف الحكومة.
لكن الصحافة الإسبانية أعادت نشر تصريحات ليائير نتنياهو عام 2019، لمح فيها إلى أن إسرائيل تدعم أو تمول حركات معارضة أو انفصالية في سبتة ومليلية، كما تداولت تقارير عن طرح إسرائيلي لدعم مغربية سبتة ومليلية رداً على مواقف مدريد من غزة وعلاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة.