أحلام فرح الأضحى

في المغرب، لم يعد عيد الأضحى موسما للفرح فقط، بل صار موسما للرياضيات المعقدة. الأب المغربي يجلس هذه الأيام أمام ورقة وقلم، لا ليحسب زكاة المال، بل ليكتشف كيف يمكن لراتب واحد أن يهزم ثالوث الرّعب: ثمن الخروف، ومصاريف المدرسة، وفاتورة “الكريدي”، ثم يكتشف في النهاية أن “الحولي” أصبح يحتاج إلى تمويل بنكي ودراسة جدوى وموافقة صندوق النّقد العائلي.

الأسواق ممتلئة بالخرفان، نعم. لكن الجيوب فارغة إلاّ من صدى التّنهدات.

يشرح الكساب أن العلف غال، والنّقل غال، والجفاف أكل الأخضر واليابس، والوسيط يريد نصيبه، أمّا المواطن فينظر إلى الخروف كما ينظر سائح إلى فيلا فاخرة في كاليفورنيا أو تغازوت: جميلة… لكنها ليست له.

في الأحياء الشعبية، صار الأطفال يسألون آباءهم: بابا… واش هاد العام غادي نجيبو الحولي؟ يرد الأب بنبرة سياسي في ندوة صحافية: “مازال ما توضحاتش الرّؤية… كاينين مشاورات.

حتى الخروف نفسه تغيّر سلوكه. ففي السابق، كان يُجرّ بالحبل، أما في مغرب اليوم، فيمشي مزهوا كأنه رجل أعمال خرج لتوّه من اجتماع مجلس الإدارة. بعض الأكباش تنظر إلى النّاس باستعلاء واضح، وكأنها تقول: إلا ما عندكش فوق 5000 درهم… باركا عليك غير من التّصاور. ثم تبدأ حملة “المساحيق الوطنية”: تقارير مطمئنة، تصريحات متفائلة، زيارات عابرة لمسؤولين، وعبارات من قبيل: العرض متوفر، والأسعار في المتناول، والسوق يعرف دينامية إيجابية. أما المواطن المسكين يستمع لهذه البلاغات، وهو يحدق في ثمن الطماطم واللحم والزيت، فيشعر أنه يعيش في مغرب آخر لا يعرفه…مغربٌ فيه القدرة الشرائية بخير على الورق والشاشات، بينما قفة المواطن في العناية المركزة.

المثير في الأمر والمخزي أن بعض الناس صاروا يتعاملون مع شراء الأضحية كإنجاز بطولي.

من استطاع شراء خروف متوسط الحجم، أصبح يستحق وسام الاستحقاق الاقتصادي من درجة “صابر على الغلاء”. أما من اشترى “الصردي”، فغالبا سيستقبل الجيران للسلام عليه أكثر من استقبالهم للعيد نفسه. ففي المقاهي، لا حديث إلا عن سعار الأسعار. واحد يقول: هاد العام الحولي ولى كيحتاج فيزا. وآخر يرد: الحولي ما بقاش أضحية… ولى مشروع استثماري طويل الأمد.

ورغم كل هذا، يبقى المغربي غريبا في قدرته على اختراع الفرح من قلب الضّيق، يضحك وهو يتألم، ويسخر وهو يختنق بالغلاء، ويواصل الرّكض خلف فرحة قصيرة، لأنّ العيد بالنّسبة إليه ليس مجرد خروف، بل محاولة جماعية لترميم شيء من الكرامة وسط هذا السّعار اليومي للأسعار.
غير أن الحقيقة المؤلمة هو أن كثيرا من الأسر لم تعد تخاف فقط من ثمن الأضحية، بل من ثمن الحياة كلّها، فالغلاء لم يترك للمواطن حتى رفاهية الحزن الكامل، صار يقتصد حتى في شكواه. وفي النهاية، يبدو أن “الحولي” في عيد أضحى عام 2026 ليس من سيدخل البيوت فقط، بل سيدخل كتب الاقتصاد، باعتباره الكائن الوحيد في المغرب الذي ارتفع سعره أكثر من أحلام النّاس في انتظار ما يأتي وما سيأتي.

فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

اقرأ المقال كاملاً على لكم