أربع قراءات إسبانية لأحداث سبتة .. الهجرة واليمين المتطرف والحرب الهجينة

لم تعد أزمة العبور الجماعي إلى مدينة سبتة المحتلة تُناقش داخل إسبانيا باعتبارها مجرد موجة هجرة غير نظامية، وإنما تحولت إلى قضية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية والجيو-سياسية، وهو ما عكسه النقاش الواسع الذي احتضنته صحيفة “إل باييس” الإسبانية، عبر أربعة مقالات كتبها دبلوماسيون وخبراء وصحافيون، قدم كل منهم مقاربة مختلفة للأزمة، بينما التقوا عند خلاصة واحدة مفادها أن ما شهدته المدينة يتجاوز في دلالاته ملف الهجرة، ويفرض إعادة التفكير في كيفية إدارة الحدود والعلاقات الثنائية مع المغرب، فضلا عن تداعياته على الاتحاد الأوروبي.

قراءة استخباراتية

قدم السفير الإسباني الأسبق لدى المغرب المدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسباني، خورخي ديزكالار، قراءة أمنية للأحداث، معتبرا أن التعاون بين مدريد والرباط في مجال مكافحة الهجرة “بعيد عن أن يكون مثاليا”؛ إذ رأى أن وصول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة خلال ساعات يكشف، بحسب رأيه، عن خلل في منظومة التعاون بين البلدين، مضيفا أن المدينة وجدت نفسها أمام أزمة غير مسبوقة، بعدما استقبلت أعدادا تفوق قدرتها على الاستيعاب، وهو ما أدى إلى اكتظاظ مراكز الإيواء وإغلاق المتاجر وتعطيل مظاهر الحياة اليومية.

واعتبر ديزكالار أن هناك عوامل عدة قد تكون أسهمت في تفجر الأزمة، من بينها قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي قيد عمليات الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون عبر البحر، إضافة إلى التقارب الذي شهدته العلاقات بين مدريد والجزائر، ومناقشة مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين، غير أنه خلص إلى أن السبب الأعمق، من وجهة نظره، يتمثل في ما وصفه بسياسة “التنازلات” التي انتهجتها الحكومة الإسبانية في تعاملها مع الرباط خلال السنوات الأخيرة، داعيا إلى اعتماد سياسة تقوم على الحوار، مقرونة بالحزم في الدفاع عن المصالح الإسبانية.

كما استحضر المسؤول الاستخباراتي السابق عددا من الملفات التي اعتبرها مؤشرات على هذا النهج، من بينها إغلاق الجمارك التجارية في مليلية، وقضية برنامج التجسس “بيغاسوس”، والضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها سبتة ومليلية خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن المغرب يفسر، بحسب رأيه، سياسة التهدئة الإسبانية على أنها مؤشر ضعف، وليس تعبيرا عن حسن الجوار، وهو ما يستوجب، في تقديره، مراجعة طريقة إدارة العلاقة الثنائية.

تحولات عالمية

من زاوية مختلفة، تناول لويس باسيتس، الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة “إل باييس” المتخصص في قضايا السياسة الدولية، الأزمة باعتبارها نموذجا لتحولات النظام الدولي، معتبرا أن العالم يشهد صعود أنماط جديدة من الصراعات، تستطيع فيها الدول الأقل قوة ممارسة ضغوط كبيرة على الدول الأكثر قوة من خلال وسائل غير عسكرية، مثل الهجرة أو التحكم في الممرات الاستراتيجية، وهو ما يعرف بالحروب الهجينة أو الصراعات غير المتكافئة.

ورأى باسيتس أن الموقع الجغرافي لإسبانيا، ووجود سبتة ومليلية وجزر الكناري ومضيق جبل طارق، يجعلها في مواجهة تحديات جيو-سياسية متزايدة، في ظل الفوارق الاقتصادية والديموغرافية الكبيرة بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط، معتبرا أن هذه المعطيات تمنح ملف الهجرة أبعادا استراتيجية تتجاوز الجوانب الإنسانية.

واستحضر الكاتب “المسيرة الخضراء” سنة 1975 باعتبارها، من وجهة نظره، مثالا على استغلال لحظات التحول السياسي لتحقيق مكاسب استراتيجية، موردا أن فترات الانتقال وعدم الاستقرار غالبا ما تستغلها الدول أو الفاعلون غير التقليديين لتعزيز مواقعهم، كما رأى أن فرضية وقوف شبكات تهريب البشر وحدها وراء موجة العبور لا تستبعد، بحسب تحليله، وجود اعتبارات سياسية وأمنية أوسع، وهي قراءة قدمها في إطار تحليله الشخصي.

سياق حساس

أما أندريا ريتسي، مراسل الشؤون العالمية في صحيفة “إل باييس” المتخصص في الجيو-سياسة والشؤون الأوروبية، فقد وسع دائرة التحليل إلى المستوى الأوروبي والدولي، قائلا إن أزمة سبتة تحولت إلى نقطة تتقاطع فيها رهانات إقليمية ودولية تتجاوز العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط، وتمتد إلى مستقبل الاتحاد الأوروبي وتوازناته الداخلية.

وأضاف ريتسي أن الأزمة جاءت في سياق سياسي حساس، بعد قرار المحكمة العليا الإسبانية بشأن الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون بحرا، وبعد الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الجزائر، إضافة إلى مناقشة مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين، معتبرا أن هذه التطورات أعادت العلاقات المغربية الإسبانية إلى صدارة النقاش السياسي.

ورأى أن الأزمة وجدت أيضا صدى واسعا لدى أحزاب اليمين واليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، التي استغلتها لتوجيه انتقادات إلى الحكومة الإسبانية، وتعزيز خطابها المناهض للهجرة، كما اعتبر أن تصاعد الانقسامات الأوروبية حول كيفية التعامل مع ما جرى قد يخدم، بحسب رأيه، أطرافا تسعى إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، لم يعف ريتسي الحكومة الإسبانية من المسؤولية؛ إذ ذكر أنها لم توفر الإمكانات الأمنية الكافية لحماية الحدود في مرحلة كانت تنذر بتصاعد الضغوط، كما شدد على أن التأخر في اتخاذ إجراءات على الحدود البحرية بعد قرار المحكمة العليا أسهم في تعقيد الوضع، داعيا إلى معالجة الأزمة في إطار أوروبي مشترك، بدل تحويلها إلى أداة للصراع السياسي الداخلي.

“هجوم هجين”

ومن زاوية قانونية، انضمت ماريولا أوريّا كوريس، أستاذة القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة لا ريوخا الإسبانية، إلى النقاش، موردة أن ما شهدته سبتة لا ينبغي التعامل معه باعتباره موجة هجرة غير نظامية فقط، وإنما “هجوما هجينا” يستهدف سيادة الدولة الإسبانية، وفق توصيفها.

وأوضحت الباحثة أن التشريعات الإسبانية الخاصة بالهجرة، بما فيها اتفاقيات إعادة القبول الموقعة مع المغرب، لا تكفي لمعالجة وضع استثنائي بهذا الحجم، لأن الأزمة، بحسب تقديرها، تتجاوز الإطار التقليدي للهجرة. وأضافت أن الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة تنطبق عليهم من الناحية الإدارية قوانين الهجرة، لكن طبيعة الحدث تفرض مقاربة أوسع تجمع بين الجوانب الإنسانية والسياسية والقانونية والدبلوماسية.

وتطرقت أوريّا إلى قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في يوليوز الماضي، الذي حصر تطبيق إجراء “الرفض عند الحدود” في حالات اجتياز السياج الحدودي بسبتة ومليلية، دون القادمين عبر البحر، مؤكدة أن القانون الإسباني والاتفاقيات الدولية يمنعان الإعادة الجماعية للمهاجرين، ويفرضان احترام الضمانات القانونية وحقوق الإنسان في كل حالة، معتبرة أن الأزمة الحالية كشفت حدود الأدوات القانونية التقليدية في مواجهة أحداث استثنائية.

وأضافت أن التحدي لا يقتصر على تدبير أوضاع آلاف الوافدين، وإنما يشمل أيضا تعزيز قدرات سبتة ومليلية على مواجهة أزمات مماثلة، وتقوية المؤسسات المحلية، وإيجاد آليات للتعامل مع ما وصفته بمحاولات ممارسة الضغط على سيادة الدول عبر استخدام تدفقات بشرية، داعية إلى توحيد المواقف السياسية داخل إسبانيا في مواجهة هذه التحديات.

The post أربع قراءات إسبانية لأحداث سبتة .. الهجرة واليمين المتطرف والحرب الهجينة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress