أسماء المرابط: فكرة تفوق الرجل على المرأة ليست جزءاً من الخطاب القرآني

قالت أسماء المرابط، الطبيبة البيولوجية وعضو أكاديمية المملكة المغربية وإحدى أبرز وجوه ما يُعرف بالفكر النسوي الإسلامي، إن “القرآن ليس في الأصل مدونة قانونية، بل هو أخلاق حيّة، ومشروعه يتمثل في تكوين وعي قادر على تحقيق العدالة والرحمة والمسؤولية في العلاقة مع الله ومع الناس”، مؤكدة أن “تغييب هذه الغاية الأخلاقية يجعل الدين يفقد معناه ويتحول إلى منظومة جامدة تتسم بالتصلب والتجزؤ”، وشددت على أن “العودة إلى البعد الأخلاقي تمثل ضرورة لإعادة توجيه البوصلة الروحية نحو قيم العدل والرحمة والعمل الصالح”.

وجاءت هذه التصريحات في حوار إذاعي لـ “راديو أورينت“، حيث أوضحت المرابط أن “إقصاء البعد الأخلاقي من الفهم الديني لم يكن عفويا، بل كان نتيجة عوامل تاريخية معقدة”، مشيرة إلى أن “الأزمة الأخلاقية في العالم الإسلامي تعود جذورها إلى الصراعات الأولى بين المسلمين، والتي أدت إلى ما سمي بأزمة الوعي الديني”، وأضافت أن “العامل اللاهوتي-السياسي لعب دورا حاسما، خاصة خلال الدولة الأموية، حيث تلاقت مصالح السلطة السياسية مع بعض النخب الدينية لفرض قراءة دينية تقوم على الطاعة والخضوع”، مؤكدة أن “هذا التوظيف السياسي للدين أدى إلى تضخم الجانب القانوني والطقوسي على حساب القيم الأخلاقية الأساسية مثل العدالة والتضامن والعمل الصالح”.

 

وأكدت المرابط في حديثها أن “التركيز على الطقوس وإهمال البعد الأخلاقي هو نتيجة مباشرة لهذا المسار التاريخي”، موضحة أن “فرض مفاهيم مثل الطاعة المطلقة والقدرية كان يخدم ترسيخ الاستبداد السياسي”، وقالت إن “إبعاد القيم الأخلاقية لم يكن سوى خيار لاهوتي-سياسي هدفه شرعنة السلطة، وهو ما أدى إلى تهميش مفاهيم مركزية في القرآن مثل العدل والإحسان وتقاسم الثروات”، مضيفة أن “هذا الانحراف جعل الممارسة الدينية تنحصر في شكليات فارغة من مضمونها القيمي”.

وفي سياق حديثها عن القيم المركزية في الإسلام، شددت المرابط على أن “العدل والرحمة يمثلان جوهر الرسالة القرآنية”، قائلة إن “العدل في القرآن هو أمر إلهي يجب أن يكون أولوية في الممارسة الدينية، بل يتقدم حتى على الطقوس عندما تفقد هذه الأخيرة بعدها الأخلاقي”، وأضافت أن “العودة إلى هذه القيم الأساسية في زمن يسوده الارتباك والاضطراب أمر ضروري لإعادة التوازن الروحي”.

وأوضحت الباحثة في الفكر الإسلامي أن “هذه القيم ليست مجرد مبادئ توجيهية، بل هي إطار أخلاقي ملزم يحدد كيفية ممارسة الإيمان في الحياة اليومية”، مضيفة أن “الالتزام بالعدل والتصرف برحمة في مجتمع تسوده الاختلالات هو في حد ذاته ممارسة حقيقية للروحانية”، وقالت إن “إعادة توجيه السلوك وفق هذه القيم يسمح بتحقيق انسجام بين الإيمان والعمل، ويجعل الدين قوة إصلاحية في الواقع”.

وفي حديثها عن مفهوم التوحيد، أكدت أسماء المرابط أن “التوحيد لا ينبغي اختزاله في مجرد إعلان لفظي، بل هو مسار تحرري عميق يعيد الإنسان إلى فطرته الأصلية”، موضحة أن “الفهم الحقيقي للتوحيد يحرر الإنسان من كل أشكال العبودية المادية والنفسية”، وقالت إن “العالم المعاصر مليء بما وصفه النبي بالشرك الخفي، مثل الاستهلاك المفرط، وهوس المظاهر، والسعي وراء السلطة والمال”، مضيفة أن “هذه المظاهر تجعل الإنسان أسيرا لأوهام الحرية، بينما التوحيد الحقيقي يحرره من كل تبعية”.

وأضافت أن “العودة إلى مركزية الله في الحياة تعني التحرر من كل أشكال الهيمنة، سواء كانت مادية أو سياسية أو أيديولوجية”، مؤكدة أن “هذا الفهم يمنح الإنسان قوة داخلية كبيرة ويجعله مستقلا عن كل ما يمكن أن يقيده”، وقالت إن “التوحيد في جوهره هو قوة تحريرية تعيد للإنسان كرامته واستقلاله”.

وفيما يتعلق بمسألة المرأة، شددت المرابط على أن “القراءة الأخلاقية للقرآن تفتح آفاقا جديدة ليس فقط للنساء، بل للرجال أيضا”، موضحة أن “النص القرآني يؤسس لعلاقة قائمة على التوازن والانسجام، بعيدا عن القراءات الذكورية التي كرست التمييز”، وقالت إن “القرآن يقدم إطارا لما أسميه ‘العدالة المتكافئة’ بين الرجال والنساء، وهو مفهوم يتجاوز الطرح الحديث للمساواة الشكلية”، مؤكدة أن “كل من لا يرى هذا الإطار لا يزال أسير قراءات تاريخية بشرية متجاوزة”.

وأضافت أن “فكرة تفوق الرجل على المرأة ليست جزءا من الخطاب القرآني، بل هي انعكاس لثقافات وهيمنة تاريخية”، موضحة أن “القرآن يركز على الإنسان كقيمة أساسية، دون تمييز قائم على الجنس أو الأصل أو الطبقة”، وقالت إن “معايير التفاضل الوحيدة في القرآن هي النزاهة الروحية والعمل الصالح والصدق”، مؤكدة أن “هذه القيم هي التي تحدد قيمة الإنسان، وليس انتماءه الجندري”.

كما أكدت صاحبة كتاب “الأخلاق المنسية في القرآن” أن “القراءة الأخلاقية للقرآن لا تكتفي بالدعوة إلى السلام، بل تفرض ممارسته”، مشيرة إلى أن “هذه المقاربة تخرج الدين من الإطار الهوياتي الضيق إلى أفق إنساني واسع”، وقالت إن “تبني هذا الفهم يجعل الإنسان يعيش إيمانه من خلال الحب والسكينة والعمل من أجل الخير العام”، مضيفة أن “هذه الرؤية تتيح تحقيق انسجام بين البعد الروحي والواجب الأخلاقي”.

واعتبرت الباحثة أن “التحرر من التدين الهوياتي يفتح الطريق أمام ممارسة دينية قائمة على القيم الإنسانية المشتركة”، مؤكدة أن “السلام الداخلي الذي يحققه الإنسان من خلال هذا الفهم ينعكس بالضرورة على علاقته بالعالم”، وختمت بالقول إن “الإسلام في جوهره دعوة إلى إنسانية متكاملة، قائمة على العدالة والرحمة والمسؤولية، وهي القيم التي يجب أن تعود إلى صدارة الفهم الديني المعاصر”.

اقرأ المقال كاملاً على لكم