أشكال التضامن العائلي تتحول نحو الدعم المالي بدل قيم التعايش بالمغرب

كشفت نتائج “البحث الوطني حول العائلة”، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط في نسخته الثانية بعد دراسة سنة 1995، عن ملامح عميقة للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة على مستوى الحركية الاجتماعية بين الأجيال وأشكال التضامن العائلي، في سياق يتسم بتغيرات اقتصادية وبنيوية متسارعة تعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة وخارجها.

وفي هذا السياق أبرز البحث أن الحركية الاجتماعية بين الأجيال مازالت مرتفعة نسبياً، إذ يشغل ما يقارب 62,2 بالمائة من الأفراد سنة 2025 مكانة اجتماعية مختلفة عن تلك التي كان يشغلها آباؤهم، مقابل 37,8 بالمائة يعيشون وضعية من الجمود الاجتماعي. غير أن هذا المستوى يظل أقل مقارنة بسنة 2011، التي سجلت نسبة 68,1 بالمائة، ما يعكس نوعاً من التباطؤ النسبي في دينامية الارتقاء الاجتماعي.

وتُظهر المعطيات أن هذه الحركية تعزى أساساً إلى التحولات التي عرفتها البنية الاقتصادية، بنسبة 61,2 بالمائة، مقابل 38,8 بالمائة فقط مرتبطة بعوامل تكافؤ الفرص والتنمية البشرية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى عدالة توزيع فرص الارتقاء الاجتماعي داخل المجتمع.

وسجل البحث أن الحركية الاجتماعية الصاعدة تشكل المحرك الأساسي لهذه الدينامية، إذ تمكن 41 بالمائة من الأفراد من تحسين وضعهم الاجتماعي مقارنة بآبائهم، مقابل 21,2 بالمائة عرفوا تراجعاً اجتماعياً. وبالمقارنة مع سنة 2011، حيث بلغت الحركية الصاعدة 35,2 بالمائة، والحركية النازلة 33 بالمائة، فإن المعطيات الحالية تعكس تحسناً ملحوظاً في فرص الارتقاء الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة.

ويرتبط هذا التطور بشكل مباشر بالتحولات التي عرفها النسيج الاقتصادي الوطني، خاصة مع تنامي الطابع الخدماتي للاقتصاد، وتراجع الوزن النسبي للقطاع الفلاحي، إلى جانب توسع العمل المأجور، وهي عوامل ساهمت في توسيع إمكانيات الولوج إلى مواقع اجتماعية ومهنية أفضل.

كما يعكس هذا المسار التقدم المسجل في مستوى الرأسمال البشري، من خلال تحسن التعليم واكتساب المهارات، ما مكن فئات واسعة من المغاربة من تحسين مواقعهم السوسيو-مهنية.

فوارق مجالية

وعلى المستوى المجالي تبرز فوارق واضحة في طبيعة الحركية الاجتماعية، إذ تبقى الحركية الصاعدة أكثر حضوراً في الوسط الحضري بنسبة 46,9 بالمائة، مقابل 28,6 بالمائة في الوسط القروي، الذي مازالت فيه مستويات الجمود الاجتماعي مرتفعة، حيث تصل إلى 47,3 بالمائة.

وتُفسر الحركية الاجتماعية في الوسط القروي أساساً بالتحولات البنيوية للاقتصاد، بنسبة تقارب 84 بالمائة، في حين تبدو الدينامية في الوسط الحضري أكثر توازناً، حيث تساهم التحولات الاقتصادية بنسبة 69 بالمائة، مقابل 31 بالمائة لعوامل مرتبطة بالتنمية البشرية وتكافؤ الفرص، ما يعكس تنوع مصادر الارتقاء الاجتماعي في المدن مقارنة بالقرى.

وبشكل عام تؤكد هذه المؤشرات أن الحركية الاجتماعية بالمغرب، رغم استمرارها في مستويات مرتفعة، مازالت رهينة بالتحولات الاقتصادية أكثر من ارتباطها بمنظومة تكافؤ الفرص، وهو ما يطرح تحديات على مستوى السياسات العمومية الرامية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

التضامن العائلي

وفي ما يتعلق بالتضامن العائلي كشف البحث عن تحول في أنماط هذا التضامن، إذ لم يعد يعتمد بشكل أساسي على التعايش السكني أو القرب الجغرافي، بل أصبح يرتكز بشكل متزايد على أشكال دعم مرنة، تجمع بين التحويلات المالية والتواصل عن بعد.

وفي هذا الإطار صرّحت 42,5 بالمائة من الأسر بمشاركتها في تبادلات عائلية، سواء بصفتها مستفيدة (31,4 بالمائة)، أو مانحة (25,8 بالمائة)، أو من خلال الجمع بين الدورين (14,7 بالمائة)، في حين أفادت 57,5 بالمائة بعدم وجود أي تبادلات عائلية.

وتظهر المعطيات تفاوتات بين الوسطين الحضري والقروي، إذ تسجل نسبة الأسر المستفيدة مستويات أعلى في القرى (33,2 بالمائة) مقارنة بالمدن (30,6 بالمائة)، بينما ترتفع نسبة الأسر المانحة في الوسط الحضري (27,4 بالمائة) مقارنة بالقروي (22,6 بالمائة).

كما تستفيد الأسر التي ترأسها نساء من التبادلات العائلية بنسبة أكبر (47,7 بالمائة) مقارنة بالأسر التي يرأسها رجال (27,7 بالمائة)، في حين تميل الأسر الأكثر يسراً إلى لعب دور المانح، بنسبة 36,4 بالمائة، مقابل اعتماد أكبر للأسر الأقل دخلاً على الدعم العائلي.

القروض والخدمات

وتتخذ التبادلات العائلية أشكالاً متعددة، غير أن القروض المالية تظل الشكل الأكثر حضوراً، إذ تمثل 36,5 بالمائة من الخدمات المقدمة و37,6 بالمائة من الخدمات المستفادة، تليها خدمات تقديم الأشغال (29,1 بالمائة من الخدمات المقدمة و26,4 بالمائة من المستفادة)، ثم التحويلات المالية بنسبة 21,5 بالمائة و24,2 بالمائة على التوالي.

أما على مستوى سوق الشغل فيبرز التضامن العائلي كآلية أساسية لدعم العاطلين عن العمل، إذ صرح 58,7 بالمائة بتلقيهم مساعدات مالية من الأسرة، غالباً من الأصول بنسبة 80 بالمائة، في حين يظل دعم الدوائر العائلية الأوسع محدوداً (12 بالمائة).

كما يظهر دور الأسرة في دعم المبادرات الاقتصادية، إذ يلجأ 13,7 بالمائة من العاملين لحسابهم الخاص إلى يد عاملة عائلية، فيما أكد 46,3 بالمائة ممن استفادوا من دعم عند إطلاق مشاريعهم أن مصدر هذا الدعم كان أحد أفراد الأسرة.

وفي السياق ذاته يعمل 3,7 بالمائة من الأجراء والمساعدين العائليين والمتعلمين داخل مقاولات عائلية، وهي نسبة ترتفع في الوسط القروي (7,5 بالمائة) وبين الأسر الأقل يسراً (9,8 بالمائة)، حيث يشكل الحفاظ على الإرث العائلي الدافع الرئيسي لهذا النوع من العمل بنسبة 39 بالمائة.

The post أشكال التضامن العائلي تتحول نحو الدعم المالي بدل قيم التعايش بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress