ألغام تهدد الاتفاق الأمريكي الإيراني
يثير اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران تساؤلات واسعة حول فرص استمراره في ظل تراكم الخلافات العميقة بين الطرفين؛ فبينما يمنح الاتفاق واشنطن وطهران فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات بعد مواجهة مكلفة، تبقى ملفات شائكة مثل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية وأمن الملاحة في مضيق هرمز ودور إسرائيل عوامل قد تهدد استقرار التهدئة وتحولها إلى مجرد هدنة مؤقتة بين جولة صراع وأخرى.
هذا ما أكدته سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، في تقرير نشره المعهد.
وقالت وكيل إن الكثير من النقاشات تركزت، منذ أن وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم التي أنهت الحرب، حول سؤال بسيط هو: من انتصر؟ ولا توجد إجابة حاسمة وواضحة على ذلك.
وتشير واشنطن وإسرائيل إلى اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية، واستهداف أجزاء من القيادة الإيرانية، والأضرار التي لحقت بالمواقع النووية والعسكرية. وقالت وكيل إنه في الواقع، أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على إلحاق أضرار بإيران تفوق بكثير ما تمكنت طهران من إلحاقه بهما. ومع ذلك، لم تتمكنا من ترجمة هذا التفوق العسكري إلى تحقيق أهدافهما المتمثلة في تغيير النظام، أو على الأقل إخضاعه سياسيا بصورة سريعة.
أما طهران، فقد نجت من الهجوم الذي استمر 38 يوما، وأظهرت قدرتها على فرض تكاليف تتجاوز حدودها من خلال الضربات التي نفذتها في أنحاء المنطقة وإغلاق مضيق هرمز. وبذلك حافظت على قدر مهم من أوراق التفاوض؛ لكنها خرجت أيضا أضعف اقتصاديا وأكثر انكشافا عسكريا وأشد عزلة على مستوى المنطقة.
ومن خلال مذكرة التفاهم، انتزع الطرفان تنازلات من بعضهما البعض؛ لكن أيا منهما لم يحقق ما يكفي لادعاء نصر حاسم. فقد ضمنت واشنطن مسارا نحو إعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة أسواق الطاقة، وتقليص خطر التصعيد الإقليمي. في المقابل، حصلت طهران على هدنة في القتال، واحتمال استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات وحماية من هجمات إضافية. لذلك يمكن فهم النتيجة على أنها تعادل غير متكافئ.
وتدخل واشنطن المفاوضات وهي تتمتع بتفوق عسكري؛ بينما تحتفظ طهران بقدرات كافية على التعطيل تمكنها من رفض بعض المطالب الأمريكية.
وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) إن هذا يفسر سبب قبول الرئيس دونالد ترامب والقيادة الإيرانية بالاتفاق؛ لكنه في الوقت نفسه ينذر بطريق مليء بالتعقيدات في المرحلة المقبلة.
وبالنسبة لترامب، كانت الأولوية تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز ومنع مواجهة طويلة الأمد قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والتضخم قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. أما طهران فتحتاج إلى الوقت لتقييم الأضرار التي لحقت ببنيتها العسكرية والنووية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتقليل خطر تجدد الهجمات. كما يتعين عليها استعادة صادرات النفط والوصول مجددا إلى الأموال المجمدة والتعامل مع التداعيات الداخلية للحرب.
ولذلك، يستخدم الطرفان الدبلوماسية كوسيلة لكسب الوقت؛ فواشنطن تعتقد أن الضغوط التي تعرضت لها إيران قد تجعلها أكثر استعدادا لقبول قيود على برنامجها النووي، بينما ترى طهران أن المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز وأسعار الطاقة واحتمالات التصعيد الجديد قد تدفع ترامب إلى تقديم تنازلات اقتصادية. وسيستمر الاختلال نفسه الذي أفضى إلى هذا التعادل غير المتكافئ في تشكيل مسار المفاوضات، إذ تدخل واشنطن المحادثات من موقع التفوق العسكري، بينما تحتفظ طهران بقدرات تعطيلية تسمح لها برفض بعض المطالب الأمريكية.
وسيتعين على المفاوضات معالجة أربع قضايا مترابطة هي: مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وتخفيف العقوبات، والضمانات اللازمة للحفاظ على الاتفاق. ويعد إعادة فتح المضيق القضية الأكثر إلحاحا بسبب تأثيرها على حركة الشحن وأسواق الطاقة.
وفي هذا السياق، أوضحت وكيل إن واشنطن ودول الخليج ستسعى إلى الحصول على ضمانات تمنع طهران من تعطيل الملاحة كلما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. أما إيران فستجادل بأنها لا تستطيع ضمان التدفق الحر لحركة الملاحة البحرية أو التخلي عن أوراق الضغط التي تملكها بينما تبقى إسرائيل حرة في توجيه ضربات لإيران أو لـ”حزب الله” في لبنان.
ويُظهر التأخير الذي استمر يومين قبل بدء المفاوضات في مدينة لوسيرن السويسرية حجم هذه المشكلة؛ فقد أرجأت طهران المحادثات بعدما أصرت على أن يشمل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” بنود مذكرة التفاهم. وبذلك، أوضحت إيران أنها لا تنظر إلى مضيق هرمز ولبنان واحتمال تجدد الهجمات الإسرائيلية باعتبارها ملفات منفصلة.
وستكون المفاوضات النووية أكثر صعوبة بسبب عدم حسم نتائج الحرب بشكل نهائي، إذ يتعين على الطرفين تحديد ما إذا كان يمكن لإيران مواصلة تخصيب اليورانيوم، وما القيود التي ستُفرض على قدراتها المتبقية، ومدى إمكانية وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع المتضررة وربما غير المعلنة.
وسيكون على ترامب تقديم أي اتفاق جديد باعتباره أفضل من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في عهد إدارة باراك أوباما، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة. ولذلك، من المرجح أن يتضمن الاتفاق النهائي تعليقا لعمليات التخصيب، أو خفض نسبة تخصيب اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب أو نقله خارج البلاد، إلى جانب نظام رقابة أكثر صرامة؛ غير أن طهران ستقاوم أي تنازلات تحرمها مما تعتبره حقا سياديا ووسيلة لضمان أمنها.
وسيكون تخفيف العقوبات مرتبطا بشكل وثيق بهذه المطالب النووية؛ فإيران ستسعى إلى مكاسب فورية وملموسة، تشمل الوصول إلى أصولها المجمدة، واستعادة القنوات المالية، وجذب الاستثمارات. أما واشنطن فستتردد في تقديم تخفيف واسع للعقوبات قبل حصولها على تنازلات نووية يمكن التحقق منها. وفي المقابل، لن ترغب طهران في التخلي عن أوراق قوتها المتبقية قبل الحصول على فوائد حقيقية.
وستظل مسألة الثقة حاضرة في كل مراحل العملية. فبعد عقود من العداء، وانسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، واندلاع حربين، لا توجد أسس قوية للثقة لدى أي من الطرفين. كما تضيف إسرائيل عنصرا جديدا من عدم اليقين، إذ ستقيّم طهران واشنطن جزئيا بناء على قدرتها على منع تجدد الهجمات الإسرائيلية على “حزب الله”.
ويخيم على المفاوضات احتمال حقيقي يتمثل في أن يكون هذا الاتفاق مجرد هدنة أخرى بين حربين. فإذا خلصت الولايات المتحدة إلى أن إيران تستخدم المحادثات لإعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية، فقد تعود إلى تشديد العقوبات أو اللجوء إلى القوة العسكرية.
وسيزداد هذا الخطر إذا استمرت المفاوضات إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نونبر وخرج ترامب منها أكثر قوة سياسيا.
ففي هذه الحالة قد يشعر الرئيس بقدر أقل من الضغوط للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة. وفي المقابل، ستسعى إيران إلى الاحتفاظ بأدواتها الخاصة للتصعيد، بما في ذلك الضغط مجددا على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وتفعيل جبهات إقليمية أخرى.
ولهذه الأسباب، من غير المرجح التوصل سريعا إلى تسوية شاملة. والأقرب للحدوث هو مسار طويل ومتعرج يقوم على تمديدات متكررة وخطوات مؤقتة؛ فقد تستأنف الملاحة عبر مضيق هرمز تدريجيا، بينما تواصل مجموعات العمل التفاوض بشأن الملفين النووي والعقوبات.
وقد يُمنح قدر محدود من التخفيف الاقتصادي، في وقت تستمر فيه العمليات الإسرائيلية، وتهديدات ترامب عبر منصة “تروث سوشيال”، والضغوط الإيرانية، وتجدد الاشتباكات في لبنان على هامش المسار الدبلوماسي. وهكذا سيواصل التعادل غير المتكافئ الذي أنهى الحرب تشكيل ديناميكيات الصراع والتفاوض خلال الأشهر المقبلة.
The post ألغام تهدد الاتفاق الأمريكي الإيراني appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.