"ألفاريز ومارشال" تستأنف تدقيقها في مليارات الدعم والتحويلات
في خطوة لافتة في توقيتها، أعلن مصرف لبنان في بيان أمس أنه استكمل بنجاح، بالتنسيق مع وزارتي العدل والمال، البت بمناقصة تلزيم مشروع التدقيق الجنائي لعمليات مختارة متصلة بالموجودات الخارجية للمركزي للفترة القائمة بين أول تشرين الأول ٢٠١٩ ونهاية كانون الأول ٢٠٢٣.
وقد أفضت المناقصة إلى تلزيم شركة "ألفاريز ومارسال" إجراء التدقيق. وحُدّدت هذه الفترة على اعتبار أنها الفترة التي شهدت تدخلات مالية قام بها المصرف المركزي لمصلحة جهات في القطاعين العام والخاص.
وقال بيان المركزي إن نطاق التدقيق يشمل برنامج الدعم الذي أقرّته الحكومات المتعاقبة آنذاك، والذي تضمّن تحويلات ومدفوعات بلغت قيمتها عدة مليارات من الدولارات الأميركية، الأموال التي وضعها مصرف لبنان بتصرّف المؤسسات العامة والهيئات الحكومية، إضافة إلى التحويلات التي أجراها مصرف لبنان إلى المصارف التجارية عبر تحويلات دولية إلى حساباتها في الخارج.
ويهدف التدقيق إلى التحقق ممّا إن كانت جميع المدفوعات والتحويلات ولا سيما تلك المتعلقة ببرامج الدعم، قد جرت بموجب تفويضات وأذونات قانونية ووفقاً للأصول المعتمدة، وأنّ الأموال قد وصلت إلى الجهات المستفيدة المصرّح لها والمحددة بصورة واضحة، وأنها استُخدمت للغاية المحددة لها، ومن دون أي مخالفة أو إساءة استعمال أو استغلال للمال العام.
يكتسب قرار تلزيم شركة "ألفاريز ومارشال" التدقيق في موجودات المركزي أهمية بارزة في المسار الإصلاحي المطلوب دولياً ولا سيما من صندوق النقد الدولي، كما يكتسب دلالات كبيرة لما يعكسه من التزام جدّي لا من المصرف المركزي الذي كان قد أعلن حاكمه منذ توليه مهامه عن توجهه هذا، بل أيضاً من وزارتي المال والعدل اللتين انخرطتا في هذا المسار من خلال التنسيق والتعاون لتسهيل سلوك مناقصة التلزيم طريقها نحو التنفيذ.
في التفسير العملي لهذه الخطوة، أن مسار التحقيق المنتظر منذ أعوام لمآل الأموال التي أنفقت على برامج الدعم للمحروقات والمواد الغذائية والاستهلاكية والأدوية في مرحلة الانهيار المالي من احتياطات المصرف المركزي قد سلك طريقه لتبيّن الجهات التي استفادت من قرار الدعم، الذي أدّى عملياً إلى هدر أكثر من ٢٠ مليار دولار من أموال المودعين.
وسيوفر تقرير شركة التدقيق لدى إنجازه، للحكومة المستند القانوني الذي يمكن الركون والاستناد إليه لملاحقة المرتكبين في إطار تحقيق المساءلة وتوفير الشفافية في تبيّن مصادر هدر الأموال، الأمر الذي سيكسب الدولة صدقية في تثبيت قدرتها على تنفيذ التزاماتها الخارجية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التلزيم ليس الأول للشركة، بل هي كانت قد حصلت على عقد مماثل من وزارة المال وقّعه في أيلول ٢٠٢١، وزير المال آنذاك يوسف الخليل، للتدقيق في حسابات المركزي، وتحديد حجم الفجوة المالية والمسؤولين عنها. وقد تأخر إنجاز التقرير عن مدة العقد، ليتم تسليمه إلى الخليل الذي امتنع عن نشره ورفعه إلى مجلس الوزراء حتى آب ٢٠٢٣. وتكشف المعلومات المتوافرة للنهار، أن المهلة المحددة في العقد للشركة لإنجاز عملها تصل إلى نهاية السنة الجارية.
وتفيد أن العقد يذهب إلى أبعد من التحقيق في برنامج الدعم ليشمل كل التحويلات التي حصلت من المصرف المركزي إلى الدولة ولمصلحتها، ويشمل الجيش، شركة كهرباء لبنان، وزارة الخارجية وغيرها من الإدارات او الأجهزة التي شهدت إنفاقاً غير مبرّر. وكذلك يشمل التحويلات التي قامت بها المصارف إلى الخارج.
وتكشف المعلومات أن برامج الدعم هدرت نحو ٩ مليارات دولار أنفقتها الحكومة، ويطلب المركزي من الشركة التدقيق والتحقيق في وجهة استعمال هذه الأموال، على نحو يوفر لوزارة العدل والقضاء المستندات التي تتيح لها التحرك وملاحقة المرتكبين، وتكمن أهمية التدقيق في أنه سيتيح للمركزي أن يستعيد الأموال المتوجبة على الدولة له، بعد أن يتبيّن حجمها الحقيقي من خلال عملية تتميّز بالشفافية واتباع المعايير الدولية.
وتكشف المعلومات أن التقرير الجديد المنتظر من شركة "ألفاريز ومارشال" يختلف عن التقرير السابق من حيث الأهداف التي باتت أكثر تحديداً وتركيزاً، وتمتد للفترة ما بين ٢٠١٩ و٢٠٢٣، فيما التقرير الأول تولى مهمة التدقيق الجنائي في حسابات المركزي للفترة بين ٢٠١٥ و٢٠٢٠.