أميركا تشاك نوريس: فكّرْ أقل اضربْ أكثر!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} انتقل تشاك نوريس من حلبات الكاراتيه إلى التمثيل، حاملاً معه أسلوباً صارماً في تسديد الضربات وحلّ المشاكل، وكأن كلّ معضلات العالم يمكن مواجهتها بالخبيط واللبيط. لا يثير الدهشة حصوله على مديح دونالد ترامب في مناسبة رحيله عن 86 عاماً في منتصف الأسبوع الماضي. ففي أميركا الترامبية، غالباً ما تُحلّ النزاعات بالعنف والقسوة، والجسد أداة الأبطال الأكثر بروزاً. لم يخفِ ترامب إعجابه الكبير بنوريس، مشيراً إلى أنه كان من الأفضل عدم الاحتكاك به، وإلا كانت الضربات ستتوالى بلا رحمة.
في هذه الرؤية، يمكن اختزال فلسفة كاملة تشرح طريقة إدارة البيت الأبيض لسياساته، من تعامله مع قضايا المهاجرين الشائكة إلى حربه على إيران، حيث لا مكان للديبلوماسية التقليدية. هذا النهج يتماهى مع جوهر أفلام نوريس، الاستهلاكية والموجّهة إلى جمهور واسع يرى في العنف حلاً سريعاً ومباشراً، على نقيض الكثير من قامات هوليوود الذين يقفون على الضفة المقابلة لهذا التسويق للعنف، مجسّدين ما يُعرف بـ"قوة أميركا الناعمة".
لم يكن تشاك نوريس، الذي نشأ على خطى جون فورد، وقدّره كقدوة، رمزاً إيديولوجياً بالمعنى الكلاسيكي، لكنه، فيلماً بعد فيلم، وجد نفسه يتحوّل إلى لسان حال معسكر يرى في شخصياته انعكاساً لقيمه ومفاهيمه: النظام والقانون، العدالة التي تولد الصراعات بين الخير والشر، الاستخدام المشروع والمفرط للقوة، وأخيراً تحميل كلّ مواطن مسؤولية التصرف بشكل مستقل، حفاظاً على الصالح العام. في هذا المعنى، كانت سينماه بياناً سياسياً، ولو غُلَّفَت بالترفيه. الكاراكتيرات التي جسّدها، رغم اختلاف الحبكات، حملت دائماً ملامح البطل الصالح: صارم في المبادئ، ممتنع عن الخمر، مؤمن بما يخدم الخير، قادر على الفصل بين الصواب والخطأ. لكن ربط نوريس بهذه القيم لم يأتِ من أفلامه وحدها، فمواقفه الشخصية كانت مرآة لها أيضاً: دفاعه عن الحقّ في حمل السلاح، تصويته للحزب الجمهوري، وآراؤه الدينية التي تتقاطع مع المسيحانية الإنجيلية. على غرار ترامب، حركته غرائزه أكثر من تأمّلاته، في عالم مبسَّط يخلو من الطبقات، حيث الدفاع عن الوطن والعائلة يمثّل معياراً رجولياً خالصاً، والقبضاي وحده هو القادر على استعادة الحقّ. جسّد نوريس نموذج الرجولة الذي تشيد به الخطابات المحافظة الأميركية، في مقابل النماذج التي تُصنَّف أكثر "عصرية" و"وعياً" و"نسبيّة"، والتي تتّسم بمرونة أكبر وسلوكيات أقل حزماً في مواجهة الصراع بين الخير والشر.
لا يزال المشهد الذي يجمع بروس لي وتشاك نوريس في "طريق التنين" (إخراج لي) وخلفهما الكوليزيه الرومانية، ذروة هذه السينما المبنية على المواجهة باللحم الحي واليدين العاريتين. في هذا الفيلم يلعب نوريس أحد الدورين "الشريرين" الوحيدين في مسيرته، قبل أن يتفرغ لتجسيد البطل الذي لا يقهر والمحب للعدل. عندما أسند بروس لي هذا الدور إليه، كان مقتنعاً بأنه الرجل الأبيض الوحيد القادر على مواجهته.
صحيح أن نوريس كان سيستجيب في نهاية المطاف لمتطلّبات السوق، ويغرق في التكرار والبهتان والسعي وراء المكاسب المادية، لكن هناك لحظات "مضيئة" في مسيرته، وحتى العديد من أفلامه التي يمكن مشاهدتها بشيء من المتعة. كانت الثمانينات الريغانية العصر الذهب لنشاطه، رغم محدودية أدواته التمثيلية وتعبيراته الوجهية شبه الثابتة، إذ استطاع أن يترك بصمته الخاصة. قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مسلسله الأشهر، "ووكر، تكساس راينجر"، الذي استمر لثمانية مواسم، متجاوزاً مئتي حلقة.
من خلال نحو ثلاثين دوراً، تنقّل نوريس بين روسيا والمكسيك وتركيا وكمبوديا، وجنى ثروة تقارب سبعين مليون دولار، متربّعاً على عرش سينما الحركة الترفيهية، التي كانت دائماً تجد له مخارج سيناريو جاهزة تنقذه من أقسى المعارك بلا خدش يُذكَر، في حركات بهلوانية تلامس أحياناً حدود الهزل. سواء كان ناجياً من كمين في فييتنام — حيث فقد شقيقه — كما في "الرجال الصالحون يرتدون الأسود" لتد بوست، أو مقاتلاً للإرهابيين في بيروت في "دلتا فورس"، من إخراج المنتج الإسرائيلي الشهير مناحيم غولان، ظلّ نوريس وفياً لصورة المقاتل الذي يتصدّى لقوى الشر، منسجماً مع مواقفه السياسية المؤيدة لإسرائيل، وإعجابه بزعمائها الذين رأى فيهم نماذج قتالية. 
***
”العنف المسلّي“ في زمن الحرب الأهلية 
في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، برز في السينما الأميركية قساة من نوع آخر، متأثّرين بالفنون القتالية الآسيوية، وفي مقدمهم بروس لي. إلى جانب نوريس، ساهم أمثال سيلفستر ستالون وأرنولد شوارزنيغر (ولاحقاً ستيفن سيغال وجان كلود فان دام وجَت لي ودولف لوندغرن وغيرهم) في ترسيخ صورة البطل الغربي: جسد مثالي، براعة قتالية، وسعي إلى العدالة بأسلوب حاسم.
جاءت هذه الشخصيات جزءاً من حبكات سهلة ومصطنعة، يمكن اختزالها في بضعة أسطر، وقد وجدت طريقها إلى كلّ منزل عبر أشرطة الفيديو، التي لعبت دوراً أساسياً في إدخال "العنف المسلّي" إلى حياة المشاهدين، العنف باعتباره جزءاً من الحلّ، لا المشكلة. تحوّلت هذه الظاهرة إلى مدرسة أسلوبية كاملة، وأستطيع أن أشهد بأن بعض رفاقي في المدرسة كانوا يقلّدون حركات نوريس ولي، كما لو كانت تمارين للبطولة والعدالة الفورية. كلّ مَن عاش تلك الحقبة يعرف سهولة حصول الفتيان على هذه الأفلام في محلات تأجير الكاسيتات، إذ كانت تمنحهم جرعة من التعويض عن العجز الذي عاشوه خلال الحرب، أو ربما كانت امتداداً لها.
في تلك الفترة، انتعش ما يمكن تسميته بـ"سينما موازية"، بديلة من السينما التقليدية، تُستهلَك غالباً بعيداً عن صالات السينما، وتُشاهَد مراراً حتى يعلّق الشريط داخل الحجرة. واذا ما صرفنا النظر عن الجماليات السينمائية وكلّ ما صنع عظمة السينما التي تبقى، يمكن القول إن تأثير تشاك نوريس الثقافي كان أوسع وأعمق من تأثير العديد من القامات السينمائية التي نعتبرها اليوم خارج النقاش.
ومثلما فرضت نفسها تدريجاً، اختفت عاماً بعد عام، عندما لم يعد العالم في حاجة إلى هذه الأفلام، وتغيّرت الذائقة وملّ المراهقون منها، وبرزت الحاجة إلى محتوى آخر، في ضوء دخول عصر التكنولوجيا، حيث أصبح اللجوء إلى العقل أهم من الرهان على الجسد.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية