أين ذهبت فلسطين..؟

في مَعْمَعان ما يجري، في تضارب الأحداث والمصالح والأطماع، واختفاء الطيور بعد احتلال السماء، وانهيار القيم الكونية، والدوس على القوانين الدولية والحقوق الإنسانية. في المزاجية “البرتقالية” التي تنقلب على نفسها ولونها الوهّاج عشرات المرات في اليوم، مستضيفةً لرجال ونساء الإعلام من كل مِلَّةٍ وعِلَّةٍ، مُعَمَّرةً بهم أبهاءَ وأرجاءَ “البيت الأبيض” الذي من فرط بياضه يذكُر بالكفن، حيث تُكَفَّن الحقائق والوقائع الفاقعة، وتضيع المصداقية صباحَ مساءَ، تلك التي تكشف عن هُذاءٍ وهذيان، وظَمَإٍ لا يرتوي إلى البطش والإجرام في حق بلدان لا ذنب لها سوى أنها لم تنبطح لأوامر وإملاءات “البرتقالي”، ولم تهتدِ بهديه، وتخضع لطلباته وجنونه، وفي مقدماتها: ترك إسرائيل، ترك الصهيونية العالمية تفعل ما تريد، تعيث فسادًا في الأرض لتُطَهِّرَها من “الأشرار”، وتحوز ما تبغي وتشتهي من أصغر “بوصة” إلى امتلاك القنبلة النووية؛ لأنها محاطةٌ ومسوَّرةٌ بـ”الهمج” مصاصي الدماء، في ظن ومنطق أمريكا.

لم يشهد العالم من زمانٍ رئيسًا شرسًا لا يَرْعَوي في الإفتاء والإملاء بالقتل والسَّحْل، والإفناء والإبادة، وتسوية الحضارات المتجذِّرة المُنِيفة بالأرض وبالحجارة في رَمْشة عينٍ.. في أقلَّ ما يأتيه به الهُدْهُدُ من خبرٍ يقين.

لم يعد خافيًا أن اللوبي الصهيوني وَالِغٌ ومُتَوَغِّلٌ ومُتَغَوِّلٌ في الولايات المتحدة الأمريكية. سيدٌ في البيت الأبيض، وفي الكونغرس الأمريكي والبرلمان، وفي الجامعات، والإعلام والمؤسسات المختلفة، ومديرٌ مُدَبِّرٌ لأهوال التكنولوجيا الماحقة. وإذا كانت الزعامات الرئاسية السابقة هناك تتخذ شيئًا من الحذر والحيطة، استحضارًا لأوقيةٍ من الضمير والإنسانية، وهي تقدّم العلفَ الدَّسِمَ لإسرائيل على مدار زمنية توطينها وإنباتها في خاصرة الشرق الأوسط على حساب شعب عربي هُجِّرَ واقْتُلِعَ وطُوِّحَ به إلى الشتات والضياع، فإن الزعيم الأزعَمَ والأعظم تجاوز كل الأعراف والقيود والحدود في الإفتاء المَرْضِي، والإلغاء السَّرَطاني، والتهديد والوعيد بمحو الشعوب والثقافات والحضارات في وقت وجيز، أوجز من سرعة الصوت.

ويبدو لي أن الهجمة الشرسة على إيران، في خضم المفاوضات التي كانت تجري على قدم وساق، ولَمَّا تَنْتَهِ، برعاية من حكومة سلطنة عُمان، وكانت تقترب من الحل النهائي أو ما يوحي بالحل، كانت بإيعاز من نتنياهو الذي وجد استجابة فورية من زعيم الكون الجديد، في رَمْي بلاد فارس بحجارة من سِجِّيلٍ، بل بما لا يخطر على البال، ولا تترجمه اللغة – لغتنا في الأقل. ولا أستبعد مطلقًا – وتلك بُغْيَةُ اليمين الصهيوني المتطرف – أن يكون الإسراع بالرجم والهَجْم إلهاءَ الرأي العام العربي والعالمي، وإبعادهما عن متابعة ما يجري ويُحيق بأطفالنا ونسائنا وشيوخنا ورجالنا في فلسطين، بالضفة الغربية وقطاع غزة، من مَحْقٍ وسَحْقٍ يوميٍّ بإطلاق عيون المُسَيَّرات القاتلة التي تحصد ظلَّ بل جسدَ وروحَ كل من ارتابت في أمره، واعتبرته مقاومًا أو مساندًا لما بقي من مقاومة. والحال أن أمريكا وإسرائيل، ومن لَفَّ لَفَّهما، نجحا في محاصرة إبلاغات ما يجري في غزة والضفة من تجريف وتجويع وتعطيش وقتل.

وفي الصور اليتيمة الآن التي تظهر متباعدة في التلفزيونات العربية، ما يُدْمي القلبَ والفؤاد، ونحن نرى أطفالاً عُراةً أو شبه عُراة، حُفاةً يمشون فوق المياه المتجمعة من أمطار دَكَّتْ خيامهم دَكًّا، وأغرقت متاعهم وأشلاءَ أشيائهم، صُفْرَ الوجوه، شاحبيها، مخطوفي الأجساد والبُنيان. وأمهاتٍ ذَبُلْنَ من التحديق في الفراغ، والتحديق في فلذات أكبادهن يَنْهَشُهم السَّغَب، ويُمْحِلُهم العطش والمرض. والحال أن أنظمة عربية بأعيانها تنظر وتراقب المشهد المأساوي الأليم بعيون من زجاج، وقلوب لا دَمَ فيها، وضمير معطَّل. أعينٌ تنظر المجريات وهم على مَرْمَى حَجَرٍ من سماء وأرض فلسطين. فهل ذهبت فلسطين، وأريد للتاريخ والثقافة والحضارة الفلسطينية أن تُوأَدَ وتُقْبَرَ بالنسيان والتناسي، وتَهْجِيجِ الإعلام الموظَّف والمخدوم للتركيز على جهات أخرى وأمصار أخرى، كـ”فنزويلا” و”إيران”، وغدًا: جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، وفي السويد، وكندا، وبناما، وسواها؟ أمْ لم يعد هناك ما يُسمَّى: مجلس أمن، ولا جمعية أمم متحدة، ولا جامعة عربية، ولا إسلامية، ولا.. ولا. لم يعد سوى أعظم العظماء، بل أعْظَمَ العظماء: ترامب البرتقالي، والمجرم النازي نتنياهو؟

The post أين ذهبت فلسطين..؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress