أَقدم معصرة عنَب للنبيذ في لبنان قبل 2600 سنة (1 من 2)

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أَيضًا وأَيضًا: الفينيقيون. وأَيضًا كذلك: "الناشيونال جيوغرافيك". 
بعد ثلاثيتي في "النهار العربي" (الأُسبوع الماضي والذي قبْله) عن تاريخ الفينيقيين وأُصولهم وتراثهم، ورَد معظم صورها ونصوصها في "الناشيونال جيوغرافيك" (عدَدها المزدوج (تموز-آب/يوليو/أُغسطس 2025)، وخلال قراءَتي عددَها أَيلول/سبتمبر 2020، وجدتُ مقالًا علْميًّا موثَّقًا عن أَقدم معصرة عنب في لبنان قبل 2600 سنة في تل البراق (قرب صيدا - جنوب لبنان) كان الفينيقيون يُصنِّعون فيها النبيذ، ويحملونه إِلى سفنهم التجارية، يُبْحرون به إِلى بلدان البحر الأَبيض المتوسط.
هنا، في حلقة أُولى، أَبرزُ ما ورَد في مقال "الناشيونال جيوغرافيك"، مع إِضافاتٍ مناسبةٍ موضوعَ المعصرة، جئْتُ بها من مصادر أُخرى. 

معصرة شبه كاملة
حين وجدَ المنقِّبون مكْبَسَ معصرةِ عنبٍ قديمًا في أَرض "تلّ البُراق"، اكتشفوا بعد دراسته أَنْ كان الفينيقيون يستخدمونه لعصر العنَب وتصنيع النبيذ، والاتِّجار به حول بلدان البحر الأَبيض المتوسط، وأَنها أَقدمَ معصرة في لبنان، وربما في المنطقة. وكان هذا الاكتشاف دليلًا حسيًّا واضحًا على كثافة التجارة البحرية التي كان يُتْقنها الفينيقيون. وبذلك تتضح براعتَهم في صنْع النبيذ، وبراعتَهم في نشْر عادة شرب النبيذ في مدُن متوسطية لم يكن النبيذ بلَغها بعد، فشاعت ثقافتهم في جميع تلك البلدان القديمة ومدُنها.

 

مكان الحفريات في “تلّ البُراق“.

 

وبيَّنَت اكتشفات "تلّ البُراق" أَن مفاصل معصرة العنب ما زالت شبه كاملة وتقريبًا سليمة كما كانت في عصرها إِبَّان القرن السابع (ق.م.). وهي، بعد التحقُّق، أَقدمُ معصرة عنب بين جميع أَراضي فينيقيا. جاء ذلك في دراسة موثَّقة نشَرتْها مجلة "الآثار" (تأَسست سنة 1927 وتصدُر كل شهرين لدى منشورات جامعة كمبردج البريطانية)، وأَعادت "الناشيونال جيوغرافيك" نشْر مقاطعَ رئيسةً منا.

أَين "تلُّ البُراق"؟
هو موقع أَثري قديم، على 9 كلم جنوبيّ صيدا (ساحل لبنان الجنوبي)، وسْط واحة زراعية خصيبة. تتالت عليه بعثات أَثرية استكشافية عدة، أَبرزُها بعثة لبنانية أَلمانية تشكَّلت سنة 2001 من خبراء في جامعة توبنغِن ومن الجامعة الأَميركية في بيروت (فريقُها برئاسة الخبيرة الوثقى الدكتورة هِلِنْ صادر) والمعهد الأَلماني للآثار، وانضمَّ إِليهم سنة 2013 فريقٌ من جامعة غوتمبرغ لدعم الأَبحاث.

التل، كما يدل اسمه عليه، مرتفَعٌ يطلُّ على البحر المتوسط، وحولَه عدد من التلال المجاورة. وهو يشْرف على مدينة صيدا، وتبدو منه مدينة سَريپتا الأَثرية هي الأُخرى (الصرفند اليوم).

 

عدد مجلة “الآثار“ العلْمية الأَكاديمية.

 

عن الدراسات الأَركيولوجية أَنَّ هذا التلّ يرقى إِلى عهد سحيق من العصر البرونزي الوسيط. على قمَّته بقايا هيكل يرجَّح أَنه كان حصنًا دفاعيًّا، مبنيًّا بالطوب المقوَّى (مزيج من الصلصال والرمل والماء والتبْن والقش، كان أَساس البناء في العصور القديمة).

ما أَهميتُه؟
أَهمية هذا التلّ في المكتشفات الأَثرية: دلالاتُه في توضيح جوانبَ من تاريخ صيدون، عهْد كانت مملكةً قويةً تسيطر على معظم المناطق حولها. وترجِّح المكتشفات أَنَّ "تلّ البُراق" كان في العصر الحديدي مستوطنةً مزدهرة، ثم تحوَّل الازدهار لاحقًا إِلى منطقة الصرفند (نحو 4 كلم جنوبي التلّ). وفي حفريات 2020 ظهرَت معصرة العنب التي تَرقى إِلى القرن السابع (ق.م.)، وتدلُّ على أَن صناعة النبيذ ترقى إِلى 2600 سنة، وتدلُّ بالوثائق على مهارة الفينيقيين في هذه الصناعة الْكانوا بها روَّادًا كما شأْنهم في أُمور ريادية أُخرى.

المعصرة
في منطقة من التلّ، اكتشفَت البعثات بقايا بقعة زراعية ترقى إِلى العصر الحديدي (الممتدّ من الربع الأَخير للقرن الثامن إِلى منتصف القرن الرابع ق.م.). وفي منطقة أُخرى عند السفْح الغربي من التلّ، وُجدَت بقعة أُخرى تشير إِلى حركة زراعية ناشطة.

 

عدد “الناشيونال جيوغرافيك“.

 

في هذه البقعة بالذات ظهرَت معصرة عنب لتصنيع النبيذ، مساحتُها نحو 8x4 أَمتار، منقسمة إِلى حيِّزَيْن مصنوعَين من الجص: أَوَّلُ منبَسَطٌ مرتفِعٌ قليلًا لدَوْس عناقيد العنب بالأَقدام، والآخَرُ نصفُ دائريٍّ أَدنى منه قليلًا كأَنما لتصبَّ فيه سوائلُ العنب العصور من المنبسَط الأَعلى.

أَخذ الخبراءُ نماذجَ مختلفةً من ذاك الجص، لدراسة طاقتها على متانة البناء والاستمرار، والتأَكُّد من وحدة المادة البنائية بين أَقسام المعصرة، ومقابلتها بمواد البناء الأُخرى، مع ما ينتج عن ذلك من تحديد الطبقات الأَرضية المتراكمة التي اختزنَت تلك الموادَّ منذ العصور السحيقة حتى اليوم. 

الحلقة المقبلة: تتمَّة الكشْف عن المعصرة

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية