إله التكنولوجيا الآتي إلينا!
بابل كتابيّا نموذج لحضارة التمرد على القيم والاعتداد بالنفس. شكّلت بتكنولوجياتها قوة طاغية، سبَت الشعوب وقهرتها، وفرضت نفوذها على الأمم. لذا، كان سقوط برج بابل دليلا على أن العظمة البشرية زائلة. المدينة كانت نموذجا للحكم من فوق، وللإملاءات، وتحوّل الإنجازات التكنولوجية إلى غاية في ذاتها.
في رسالته الأولى بعنوان "الإنسانية الرائعة" (2026)، يرى البابا لاون أنّ المدينة المبنية على الكبرياء والاكتفاء بذاتها تنهار. تحدث عن انهيار التواصل وارتباك اللغات وفقدان فهم الآخر. رأى أنّ بابل تكشف حدود أي إنجاز مهما عظم إذا ما ارتكز على الاعتداد بالنفس والتضحية بالقيم والكرامة الإنسانية لأجل الكفاءة الاقتصادية. وشخصياً، استبدل عبارة "الكفاءة" بالربحية المباشرة.
ممارسات اليوم بابلية، لأننها تعكس فردية وخوفا من الآخر. جارتنا صانت الخير في بيتها بحجبه، وأقامت أبراجا. تصرّفها جزء من موجة العصر (trend) الذي يولّد أنانيين. ثمة تحلّل أخلاقي على كل الصعد والمستويات. ليست المشكلة في العصر أو التكنولوجيا، بل في كيفية تصميمها واستخدامها والتحكم فيها، بحيث جعلت الشركات منها أدوات تهميش ولامساواة. أزمة تخطت الأفراد إلى الدول. فالثورة الرقمية تزيل الدول الصغيرة والشعوب والأجناس التي تعدّ أقل أهمية وذكاء وقدرة. معادلاتها المقززة بدأت تظهر تداعياتها في الحروب ولن تنتهي في الاقتصاد والسياسة. والأزمة في أنّ بعضنا مصرّ على أن يواجهها بسرديات ووسائل من الأمس حتى آخر قرية!