إلى متى تستطيع إيران وأميركا ضبط التصعيد بينهما؟
حتى مطلع الأسبوع الحالي، برز سببٌ وجيه منع انفلاش المواجهة العسكرية الحاليّة بين الولايات المتحدة وإيران إلى حرب كبيرة. بطبيعة الحال، لم يشكّل هذا السبب ضمانة مطلقة.
أميركا وإيران... التوازن نفسه
إلى حد بعيد، لا تزال المعادلة التي أوقفت الحرب في 7 نيسان/أبريل قائمة. خرجت أميركا وإيران متعبتين من النزاع، ولم تستعيدا عافيتهما النفسية والعسكرية. على الضفة الأميركية، يئس الرئيس دونالد ترامب من حصد نتائج إضافية من إطالة الحرب بينما راحت الضغوط الاقتصادية تتزايد على أبواب الانتخابات النصفية. في الوقت نفسه، انخفض مخزون الترسانة الأميركية من الصواريخ الهجومية والدفاعية، بينما ستحتاج الصناعة المحلية إلى الوقت لملء النقص. يمكن قراءة منح ترامب أوكرانيا مؤخراً ترخيص صناعة صواريخ "الباتريوت" في هذا السياق. وتعاني أميركا أيضاً من انخفاض حجم احتياطاتها البترولية الاستراتيجية بشكل لم تشهده البلاد منذ أكثر من أربعة عقود.

ليست الأوضاع أفضل في إيران. صحيح أن حسابات طهران الأهم في هذا المجال، وهي امتلاكها نفساً أطول من النفس الأميركي في الحرب، قد ثبتت صحّتها. لكنّ ذلك وحده غير كافٍ للخروج من الحسابات الأخرى التي دفعتها إلى القبول بوقف إطلاق النار في المقام الأول. لا تزال إيران بحاجة إلى نحو 300 مليار دولار للتعويض عن خسائر الحرب، بدون احتساب الحاجة إلى تطوير الاقتصاد والبنى التحتية المتآكلة. كان تدهور الوضع الاقتصادي جزءاً من الأسباب التي دفعت المتظاهرين الإيرانيين إلى الشوارع طوال الأعوام الماضية. وبرز سبب أهم.
يواصل ترامب الاحتفاظ بورقة الضغط الكبرى وهي قصف الجسور والبنى التحتية الإيرانية بشكل شامل. بشكل مرجّح، إنّه السبب الأبرز الذي دفع القيادة الإيرانية إلى وقف الحرب. باختصار، كان التوازن السلبي الذي منع الانفجار بين الطرفين حاضراً. لكن كيف أمكن تفسير القصف المتبادل في الأيام القليلة الماضية؟
أميركا وإيران... استطلاع بالنار
في الحروب البرية، ينتشر مصطلح "الاستطلاع بالنار"، وهو النشاط العسكري الذي يهدف إلى رصد نقاط الضعف للعدو، في نقاط مختلفة من الجبهة. بعد قياس وتحليل تلك النقاط، يختار الجيش الغازي محاور توغّله الأساسية. ما يحصل حالياً مستوحى من هذا المفهوم، وإن لم يكن يهدف إلى شنّ توغّل بري. يحاول الطرفان قياس نقاط الضعف لدى الطرف الآخر لرصد عتبة ألمه. يخوّل هذا القياس صاحبه تحويل الضغط باتجاه المسار التفاوضي.

على سبيل المثال، لا تزال إيران مصرّة على استغلال مضيق هرمز لفرض رسوم على السفن التجارية فيما تصرّ الولايات المتحدة على تطبيق القانون الدولي الذي يمنع إيران من ذلك. في الوقت نفسه، لا تشذّ الحرب الحالية عن القاعدة العامة للنزاعات حيث تشهد عمليات وقف إطلاق النار خروقات متكررة. هذا ما حصل مثلاً بعد إعلان وقف إطلاق النار في الحرب الكورية في مثل هذا الشهر من سنة 1953.
إلى موعد مقبل؟
تبقى قراءة نوايا أطراف الحرب محفوفة بالشكوك. حتى لو غابت النوايا الأولية بالتصعيد الشامل، وهو غياب يصعب التأكد منه، لن يكون هذا الأمر وحده كافياً لمنع تجدّد الحرب. مشكلة وقف إطلاق النار الذي اتفقت عليه طهران وواشنطن أنه كان يهدف إلى إبرام صفقة شاملة، على الأقل بشأن البرنامج النووي الإيراني.
لكنّه، وفي العمق، حجب آلية هشّة للخروج من الحرب، أو للاستراحة منها، بعد التعب المشترك. ظهرت هشاشة هذه الآلية في رفض إيران مندرجات مذكرة التفاهم بشأن فتح مضيق هرمز. تبع ذلك إعلان ترامب بعد ظهر الاثنين أنه سيعيد فرض الحصار عليها بسبب سلوكها، بالإضافة إلى حملة عسكرية عليها قد تستغرق نحو ثلاثة أسابيع. بالنظر إلى التوازن السلبي الطويل، ثمة احتمال في أن يكون الإعلان والقصف الذي تلاه مجرد رافعة ضد إيران لإعادتها إلى التفاوض بالشروط الأميركية، خصوصاً في قضية الملاحة. لذلك، يبقى تراجعه عن فكرة الحصار والقصف ممكناً إذا تراجعت إيران عن تهديدها السفن التجارية.
لكن التحكم بمسار الحروب والعمليات العسكرية أمر صعب تاريخياً. فهل التقط ترامب وإيران أنفاسهما لتحمّل موجة مستدامة من العمليات العسكرية الطويلة المدى التي لا يعرف أحد كيف تنتهي؟ أم أنهما سيتراجعان في غضون ساعات عن حافة الهاوية؟
الأكيد أن ضبط أميركا وإيران التوتر بعد ليل الاثنين سيكون أصعب مما قبله.