إيران تعيد ترتيب قيادتها تحت النار... لماذا استدعى خامنئي الحرس القديم؟
بدأت الصورة تتوضح في إيران. فبعد ساعات من تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، جاءت 6 تعيينات دفعة واحدة في قمة المؤسسة العسكرية، شملت هيئة الأركان العامة والحرس الثوري وبحريته والباسيج.
التغييرات أوصلت علي عبداللهي إلى رئاسة هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وكيومرث حيدري إلى منصب نائب رئيس الهيئة، وأحمد وحيدي إلى القيادة العامة للحرس الثوري، ومصطفى إيزدي نائباً له، وعلي عظمائي قائداً للقوة البحرية في الحرس، وحسين طائب رئيساً لمنظمة الباسيج.
لكن أهمية الحزمة تتجاوز ملء الفراغات التي خلّفتها الحرب. فالأسماء والمواقع والمهمات المحددة لكل قائد تكشف أولويات فرضتها المواجهة نفسها، ألا وهي توحيد أكبر لمركز القيادة، معالجة الاختراقات الأمنية والاستخبارية، تطوير أدوات الحرب الحديثة، وتشديد الإمساك بالجبهة البحرية في مضيق هرمز.
من رضائي إلى القادة الستة
كان رضائي الحلقة الأولى المعلنة. ففي 9 آب/أغسطس، أعلن مكتب الرئيس مسعود بزشكيان تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي بعد قبول استقالة ذو القدر، في مرحلة تتزامن مع استمرار الحرب والمواجهة مع الولايات المتحدة ومفاوضات تنظيم الملاحة في هرمز.
وجاءت قرارات اليوم التالي لتوسع نطاق التغيير من صناعة القرار الأمني إلى التخطيط العسكري والتنفيذ الميداني.
واللافت أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لم يتجه إلى تغيير جيلي واسع. وحيدي وطائب ورضائي ينتمون إلى طبقة قديمة ومجرّبة داخل الحرس، بينما يأتي عبداللهي وإيزدي من مواقع مرتبطة بإدارة العمليات والتهديدات العسكرية. ويجمع الاختيار بذلك بين الخبرة والثقة ومحاولة استيعاب دروس الحرب.
عبداللهي... من غرفة العمليات إلى قمة الجيش
أبرز القرارات عسكرياً تعيين اللواء علي عبداللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، أعلى موقع عسكري تنسيقي بين الجيش الإيراني والحرس وبقية التشكيلات.
وكان عبداللهي قائداً لمقر خاتم الأنبياء المركزي، المسؤول عن تنسيق العمليات المشتركة للقوات المسلحة، وشارك مباشرة في إدارة المواجهة العسكرية مع أميركا وإسرائيل.
لكن الدلالة الأبرز جاءت في نص التكليف. فقد طلب خامنئي منه استكمال دمج هيئة الأركان العامة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي، وتطوير القدرة على مواجهة التهديدات التقليدية والحديثة والهجينة.
وقد يكون هذا التغيير البنيوي أهم من التعيين نفسه. فالتكامل بين هيئة الأركان ومركز العمليات يقلص المسافة بين التخطيط والتنفيذ، بعدما كشفت الحرب خطورة استهداف القيادات ومراكز القيادة والحاجة إلى تسريع اتخاذ القرار.

حيدري... وزن أكبر للجيش الإيراني
إلى جانب عبداللهي، عُيّن كيومرث حيدري نائباً لرئيس هيئة الأركان. وهو قائد سابق للقوات البرية في الجيش الإيراني.
الجمع بين عبداللهي وحيدري يعكس المؤسستين العسكريتين الرئيسيتين في إيران. الأول آتٍ من الحرس ومنظومة القيادة العملياتية، والثاني من الجيش النظامي.
ويضيف اختيار حيدري، بخبرته الطويلة في القوات البرية، بُعداً آخر لإعادة ترتيب القيادة. فطهران لا تعيد تقييم قدراتها الصاروخية والجوية والبحرية فحسب، وإنما تعزز أيضاً الاستعداد لحماية حدودها وقواعدها ومنشآتها وعمقها الداخلي في مواجهة قد تتسع ساحاتها.

وحيدي... عودة رجل الحرس القديم
أحمد وحيدي هو الاسم الأثقل سياسياً في الحزمة. عيّنه خامنئي قائداً عاماً للحرس الثوري ومنحه رتبة لواء.
وحيدي من الجيل القديم للحرس، وتولى في الثمانينات قيادة الوحدة المسؤولة عن العمليات الخارجية، التي تطورت لاحقاً إلى "فيلق القدس"، قبل أن يشغل مناصب عسكرية وأمنية وحكومية بارزة، بينها وزارتا الدفاع والداخلية.
وحدد مرسوم تعيينه اتجاه المرحلة برفع مستوى الردع والجاهزية والاستعداد لتنفيذ عمليات هجومية قوية ضد الخصوم.
ويشير اختياره إلى تفضيل شخصية تعرف مفاصل النظام والحرس على الانتقال إلى جيل جديد، في وقت تكتسب فيه الثقة بالقيادات المجرّبة أهمية إضافية وسط الحرب.

إيزدي... الرجل الثاني وحروب الجيل الجديد
أصبح مصطفى إيزدي نائباً للقائد العام للحرس. وهو أقل حضوراً إعلامياً من وحيدي وطائب، لكنه شغل مواقع قيادية وتعامل مع ملفات مرتبطة بالتهديدات الجديدة والحرب الحديثة.
وتكتسب هذه الخبرة أهمية بعدما شملت المواجهة، إلى جانب الصواريخ والطائرات، اختراقات استخبارية وحرباً إلكترونية ومسيّرات وضربات دقيقة ضد القيادات والبنى العسكرية وشبكات القيادة والسيطرة.
وبذلك يجمع رأس الحرس بين خبرة وحيدي التاريخية والسياسية والأمنية وخبرة إيزدي في البيئة العملياتية والتهديدات الحديثة.

عظمائي... قائد جديد عند بوابة هرمز
يكتسب تعيين علي عظمائي قائداً للقوة البحرية في الحرس أهمية خاصة بسبب توقيته.
فبحرية الحرس هي القوة الإيرانية الأكثر ارتباطاً بالعمليات في الخليج ومضيق هرمز، وتملك الزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والمسيّرات وقدرات تعطيل الملاحة.
ويأتي تثبيت قيادتها فيما تحول هرمز إلى أحد أبرز ملفات المواجهة والمفاوضات مع واشنطن، بالتزامن مع اتصالات إيرانية-عُمانية بشأن ترتيبات الملاحة.
وطلب خامنئي من عظمائي تعزيز الإشراف الاستخباري والجاهزية القتالية والتعاون بين بحرية الحرس وبحرية الجيش.

طائب... الاستخبارات تعود عبر الباسيج
يحمل تعيين حسين طائب رئيساً لمنظمة الباسيج دلالة مختلفة ترتبط بالداخل الإيراني.
فطائب قاد الباسيج سابقاً، ثم ترأس جهاز استخبارات الحرس سنوات طويلة. ويعود الآن إلى مؤسسة تمتد شبكتها في المدن والأحياء والجامعات والمؤسسات.
وحدد خامنئي بين مهماته تعزيز شبكة الاستخبارات الشعبية والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في مواجهة التهديدات.
ويرتبط ذلك بأحد أكبر هواجس طهران خلال الحرب، وهو الاختراق الداخلي، إذ أثارت الضربات الدقيقة والاغتيالات والعمليات الاستخبارية أسئلة عن حجم الشبكات التي تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من بنائها داخل إيران.
لذلك تحمل عودة طائب مؤشراً إلى توسيع الدور الأمني والاستخباري للباسيج إلى جانب وظيفته التقليدية في التعبئة.

ماذا تعني التعيينات؟
فرضت الحرب إعادة ملء مواقع في الهرم العسكري، لكن إصدار 6 مراسيم دفعة واحدة بعد يوم من تغيير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي يعطي التعيينات دلالة أوسع.
وتكشف القرارات 4 اتجاهات: مركزية أكبر للقيادة العسكرية عبر دمج هيئة الأركان مع مقر خاتم الأنبياء، الاعتماد على شخصيات مخضرمة مثل رضائي ووحيدي وطائب، استيعاب دروس الحرب السيبرانية والاستخبارية وتطوير القيادة والسيطرة، وربط الجبهة الخارجية في هرمز بالأمن الداخلي.
إعادة بناء مركز القرار
تتضح الصورة أكثر عند جمع المواقع الجديدة. رضائي في المجلس الأعلى للأمن القومي عند مستوى صناعة السياسة الأمنية، وعبداللهي في هيئة الأركان عند مستوى التخطيط العسكري، ووحيدي في الحرس عند مستوى التنفيذ، وعظمائي في إحدى أكثر ساحات المواجهة حساسية في هرمز، وطائب في التعبئة والأمن الداخلي.
الأهم أن هذه الاختيارات تكشف الطريقة التي قررت بها طهران التعامل مع لحظة شديدة الخطورة في الحرب. فبدلاً من المغامرة بتغيير جيلي في قمة المؤسسة العسكرية، أعادت إلى الواجهة قادة يعرفون النظام ويعرفهم، ودفعت بهم إلى المواقع الأكثر حساسية.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأوضح في التعيينات كلها. عندما أصبحت القيادة نفسها جزءاً من ساحة الحرب، اختار خامنئي أن يراهن على الخبرة والثقة قبل أي اعتبار آخر.