اعتراف الجزائر بتقدم المسار الأممي يؤكد التسوية السياسية لنزاع الصحراء
اختار الرئيس عبد المجيد تبون نبرة أكثر هدوء خلال حديثه عن ملف الصحراء المغربية في مقابلة مع وسائل إعلام محلية، مبرزا أن المسار الأممي يشهد تقدما دون عراقيل، وأن الإدارة الأمريكية على اطلاع على المقترحات التي تطرحها الجزائر بشأن النزاع.
وأكد تبون، خلال جوابه عن سؤال بخصوص النزاع، وجود مسار أممي آخذ في التبلور دون عراقيل تُذكر، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية على دراية كاملة بالمقترحات والأفكار التي تطرحها الجزائر في هذا الإطار.
وجاءت تصريحات الرئيس الجزائري خالية من أي عبارات تصعيدية تجاه المغرب، خلافا لمواقف سابقة اتسمت بالتشدد والدفاع العلني عن أطروحة البوليساريو الانفصالية، وذلك عقب زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، إلى الجزائر ثم المغرب، حيث جددت واشنطن دعمها لمغربية الصحراء، مع التشديد على ضرورة تسريع التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم.
خطاب الصمت
قال الفاعل السياسي دداي بيبوط إن التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري، التي أعلن فيها أن القرار الأممي رقم 2797 يتقدم بلا عوائق بين بلاده والمغرب، تؤشر على منعطف دبلوماسي تتجاوز دلالاته اللغة المختزلة المستعملة، مشيرا إلى أن خطاب الصمت بات حاضرا من خلال الغياب اللافت للمصطلحات التقليدية التي ميزت الموقف الجزائري منذ عقود، وفي مقدمتها “حق تقرير المصير”.
وأوضح بيبوط، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن تصريحات تبون خلت أيضا من أي دفاع صريح عن جبهة البوليساريو أو هجوم مباشر على المملكة المغربية، وهو ما يعكس قطيعة واضحة مع السرديات التصعيدية السابقة، وتكيفا اضطراريا مع التحولات الجيو-سياسية الراهنة.
وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن هذا التحول النوعي جاء ثمرة مباشرة لجولة دبلوماسية أمريكية رفيعة المستوى قادها مساعد وزير الخارجية، كريستوفر لاندو، حمل خلالها إلى الجزائر رسائل واضحة بشأن ضرورة قبول مقترح الحكم الذاتي المغربي كإطار وحيد وجدي لتسوية النزاع، مع التأكيد على تفكيك مخيمات تندوف وتأمين عودة اللاجئين إلى وطنهم.
وأضاف المحلل السياسي أن هذه الضغوط تزامنت مع تجديد واشنطن من الرباط اعترافها الصريح بالسيادة المغربية، ما وضع الرئاسة الجزائرية أمام واقعية سياسية تفرض مراجعة شاملة لأدوات تدبير هذا الملف.
كما استحضر المصرح لهسبريس أن الجزائر كانت قد رفضت رسميا مضمون القرار رقم 2797 عند اعتماده في أكتوبر 2025، ووصفته حينها بغير المتوازن، مع امتناعها عن المشاركة في التصويت، غير أن الاعتراف الحالي بحتمية تنفيذه يشكل تراجعا ضمنيا عن أطروحة العرقلة.
ونبه المهتم بخبايا النزاع إلى أن هناك عوامل بنيوية متعددة تفسر هذا الانكفاء الجزائري، في مقدمتها الضغوط الأمريكية الممنهجة، والعزلة الدبلوماسية المتفاقمة التي تجسدت في تهميش الجزائر من اللقاءات الوزارية الاستراتيجية مطلع سنة 2026، وهو ما أدى إلى تآكل قدرة النظام على تسويق موقفه التقليدي دوليا.
واستدرك بأن هذا التراجع لا يمكن فصله عن التهديدات الجدية الصادرة عن واشنطن بشأن تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، والتوجه نحو تصفية بعثة المينورسو بصفة نهائية، ما يعني تجريد الطرح الانفصالي من آخر سند قانوني ورمزي له داخل منظومة الأمم المتحدة.
وخلص دداي بيبوط إلى أن التكيف الخطابي لعبد المجيد تبون يمثل تهيئة تدريجية للرأي العام الداخلي وللأطراف المرتبطة به للإقرار بنهاية النزاع وفق الرؤية المغربية، عبر صيغة تحفظ ماء الوجه المؤسساتي، معتبرا أن هذا التغيير، وإن لم يرق بعد إلى إعلان رسمي صريح، يشكل أول شرخ علني في الجدار الدبلوماسي الجزائري المصر على دعم الانفصال، ويمهد الطريق نحو تسوية نهائية لم يعد مطروحا فيها سوى إيقاع التنفيذ وكلفة الخروج من الملف.
تأثير واشنطن
يرى سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، أن تليين الرئيس الجزائري لموقفه من ملف الصحراء جاء نتيجة عزلة متزايدة يعيشها النظام الجزائري بسبب فشل دبلوماسيته الخارجية، خاصة فيما يرتبط بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، إلى جانب التطورات التي يعرفها المسار السياسي والتفاوضي عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، فضلا عن الثبات الواضح للموقف الأمريكي الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
ولفت بوشاكوك إلى أن “إقرار الرئيس الجزائري بمضمون القرار الأممي يشكل محطة لتدبير مرحلة انتقالية تسبق الحسم في هذا الملف، وتحسبا لردود فعل داخلية غير متوقعة، بالنظر إلى أن النظام الجزائري بنى جزءا من شرعيته السياسية على العداء التاريخي للمملكة المغربية ومعاكسة حقوقها التاريخية والقانونية والثقافية والهوياتية”.
وأوضح المتحدث لهسبريس أن هذا النهج أفضى إلى نتائج سلبية، تمثلت في ضياع فرص تاريخية لخدمة مصالح الشعوب المغاربية وتعطيل مشروع الوحدة المغاربية في ظرفية دولية تتسم بتحولات جيو-سياسية متسارعة.
وعن دلالات التصريح الأخير لعبد المجيد تبون، قال بوشاكوك إن الأمر يتعلق بمؤشر على توجيه رسائل ضمنية إلى الداخل الجزائري مفادها أن مآل ملف الصحراء بات بيد القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي يسايرها في هذا التوجه مجلس الأمن الدولي.
وأضاف أن معالجة الملف وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة قد تفسح المجال مستقبلا للانتقال إلى مقاربة أكثر إلزامية في إطار الأمن الجماعي، مما يفرض حلا نهائيا يقوم على الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية.
وفي هذا السياق، سجل سعيد بوشاكوك أن الخيار الأنسب لجميع الأطراف، وخاصة الجزائر وجبهة البوليساريو، هو الانخراط الجدي في التوافق حول تفاصيل الحكم الذاتي باعتباره حلا نهائيا ومستداما لهذا النزاع المفتعل.
نحو التسوية
ذكر سيدي السباعي، رئيس “شبيبة صحراويون من أجل السلام”، أن خلو تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من نبرتها التصعيدية المعتادة، مقابل حديثه الهادئ عن المسار الأممي، لا يمكن فصله عن التحركات الدبلوماسية الأمريكية المتسارعة في المنطقة، ولا عن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء على المستوى الإقليمي والدولي.
وأورد السباعي، ضمن إفادة لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا التحول في الخطاب الجزائري يعكس إدراكا متزايدا داخل قصر المرادية بعدم جدوى خيار الصدام، خاصة في سياق إقليمي يحقق فيه المغرب اختراقات دبلوماسية واضحة، وفي ظل تصاعد الضغوط الدولية للانخراط في مسار تفاوضي جاد باعتبار الجزائر طرفا رئيسيا في هذا الملف.
وأضاف أن تغيير النبرة الجزائرية يرتبط أيضا بالزيارة الأخيرة لنائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، إلى الجزائر والمغرب، وما رافقها من تجديد واضح لالتزام واشنطن بدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما جعل الموقف الأمريكي يتحول إلى محدد أساسي في توجيه مسار التسوية.
ولفت الناشط الصحراوي إلى أن هذا التطور يندرج ضمن سياق أوسع يعكس تبلور مقاربة دولية جديدة تقوم على الواقعية السياسية بدل الخطابات التقليدية، مع ما يرافق ذلك من ضغط متزايد على الأطراف للقبول بحل عملي ودائم.
وتابع بأن الخطاب الجزائري الحالي يمكن قراءته كمحاولة لتقديم صورة أكثر مرونة أمام المنتظم الدولي، في ظل تراجع هامش المناورة أمام الطروحات الراديكالية السابقة.
وأنهى رئيس “شبيبة صحراويون من أجل السلام” حديثه بالتأكيد أن هذا التحول، وإن كان تدريجيا، فإنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قوامها التكيف مع المعطيات الميدانية والدولية بما يهيئ الأرضية للانخراط في تسوية سياسية تستحضر المرجعية الأممية والخيارات الواقعية المطروحة، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل نهائي للنزاع.
The post اعتراف الجزائر بتقدم المسار الأممي يؤكد التسوية السياسية لنزاع الصحراء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.