اقتصاد الإدمان الرقمي .. "الكازينوهات الاجتماعية" تجني مليارات الدولارات

تحولت تطبيقات ما يُعرف بـ”الكازينوهات الاجتماعية” إلى أحد أسرع قطاعات الألعاب الرقمية نموًا، مع تسجيل إيرادات تجاوزت 11 مليار دولار خلال عام 2025، رغم أن هذه المنصات لا تتيح للمستخدمين تحقيق أرباح مالية فعلية، وهو ما يضعها في موقع ملتبس بين الترفيه والقمار، ويثير نقاشًا متزايدًا حول طبيعتها القانونية وتأثيراتها الاجتماعية، بحسب تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ”.

تعتمد هذه التطبيقات على نموذج مجاني في البداية، حيث يحصل المستخدم على رصيد افتراضي محدود يمكنه من تجربة الألعاب، غير أن هذا الرصيد ينفد بسرعة نتيجة تصميم الألعاب بطريقة تضمن تفوق المنصة، ما يدفع المستخدم إلى شراء عملات إضافية بأموال حقيقية أو الانتظار لفترات طويلة للحصول على رصيد مجاني جديد. وفي الحالتين، يبقى اللاعب داخل دورة مستمرة من الاستهلاك دون أي إمكانية لتحويل ما يربحه داخل اللعبة إلى نقد فعلي، وهي نقطة محورية تميز هذا النوع من الألعاب عن القمار التقليدي.

وأثبت هذا النموذج الاقتصادي فعاليته من حيث العائدات، إذ تعتمد الشركات على شريحة صغيرة من المستخدمين الذين ينفقون مبالغ كبيرة، وتُعرف هذه الفئة داخل الصناعة بـ”الحيتان”. وقد أظهرت بيانات أن بعض اللاعبين أنفقوا مئات الآلاف من الدولارات، بل تجاوز إنفاق بعضهم مليون دولار، في سياقات ارتبطت بأزمات مالية وضغوط نفسية، وصلت في بعض الحالات إلى انهيار علاقات أسرية أو تراكم ديون، وهو ما وثقته “بلومبرغ” من خلال شهادات مستخدمين وقضايا معروضة أمام القضاء.

تستند هذه الألعاب إلى تصميمات تحاكي بيئة الكازينوهات التقليدية، من حيث المؤثرات الصوتية والبصرية ونظام المكافآت المتقطعة، وهي عناصر تُستخدم لتحفيز الاستمرار في اللعب، حيث لا يكون الهدف الأساسي تحقيق الفوز بقدر ما يصبح الاستمرار نفسه غاية. وقد نقلت “بلومبرغ” عن باحثين أن هذه الآليات تضع المستخدم داخل حالة اندماج يفقد فيها الإحساس بالوقت وبحجم الإنفاق، ما يعزز السلوكيات القريبة من الإدمان.

داخل الشركات المطورة، يُنظر إلى كبار المنفقين باعتبارهم ركيزة أساسية للأرباح، وقد كشفت وثائق وشهادات أن بعض هؤلاء المستخدمين كانوا يُستهدفون بعروض خاصة أو حوافز إضافية لتشجيعهم على مواصلة اللعب، وهو ما يطرح أسئلة أخلاقية حول حدود العلاقة بين الشركات والمستخدمين، خاصة في حالات أقر فيها اللاعبون بفقدان السيطرة على سلوكهم.

في المقابل، تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذه المنظومة، إذ توفر متاجر التطبيقات التابعة لشركات مثل “أبل” و”غوغل” منصة توزيع لهذه الألعاب، وتحصل على نسبة من عمليات الشراء داخلها قد تصل إلى 30%، ما يجعلها شريكًا مباشرًا في العائدات. ورغم أن هذه الشركات تستضيف أيضًا تطبيقات قمار حقيقية في بعض المناطق، فإنها تصنف “الكازينوهات الاجتماعية” ضمن فئة الألعاب الترفيهية، وهو تصنيف يسمح لها بالانتشار دون القيود القانونية المفروضة على القمار.

هذا التصنيف بدأ يواجه تحديات قانونية، خاصة في الولايات المتحدة، حيث رُفعت دعاوى قضائية تتهم بعض الشركات بالتحايل على قوانين القمار من خلال تقديم تجربة تحاكيه دون أن تندرج رسميًا ضمن تعريفه القانوني. وتتمحور هذه القضايا حول ما إذا كان غياب الربح المالي المباشر كافيًا لنفي صفة القمار عن هذه الألعاب، في وقت يرى فيه منتقدون أن آليات الإنفاق والسلوكيات الناتجة عنها تشبه إلى حد كبير ما يحدث في الكازينوهات التقليدية، وهو نقاش وثقته “بلومبرغ” في تغطيتها للملفات القضائية ذات الصلة.

وامتد هذا النموذج إلى صناعة الألعاب الرقمية بشكل أوسع، حيث تبنت العديد من الألعاب آليات مشابهة تقوم على الشراء داخل التطبيق والعناصر العشوائية، مثل “الصناديق الغامضة”، ما ساهم في تحقيق إيرادات ضخمة. ومن أبرز الأمثلة لعبة “مونوبولي غو” التي تجاوزت عائداتها 6 مليارات دولار منذ إطلاقها في عام 2023، في مؤشر على تحول أعمق في طبيعة اقتصاد الألعاب.

النمو السريع لهذا القطاع يرتبط بانتشار الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى التطبيقات، إضافة إلى تطور أنظمة الدفع الإلكتروني التي جعلت عمليات الشراء داخل الألعاب أكثر سلاسة وأقل وضوحًا من حيث أثرها المالي على المستخدم. في المقابل، لم تواكب الأطر التنظيمية هذا التحول بالسرعة نفسها، إذ لا تزال القوانين في كثير من الدول تعتمد تعريفات تقليدية للقمار، ما يترك مساحة واسعة لهذا النوع من التطبيقات للعمل دون رقابة كافية.

ويفرض هذا الواقع تحديات على الجهات التنظيمية التي تجد نفسها أمام نشاط رقمي يحقق أرباحًا كبيرة ويعتمد على تقنيات متقدمة، وفي الوقت نفسه يرتبط بمخاطر اجتماعية ونفسية متزايدة، خاصة مع تزايد التقارير عن حالات إنفاق مفرط وسلوكيات إدمانية، ما يفتح الباب أمام احتمالات تشديد الرقابة أو إعادة تعريف القوانين ذات الصلة.

وتعكس “الكازينوهات الاجتماعية” تحولًا في مفهوم اللعب داخل الاقتصاد الرقمي، حيث لم يعد الأمر يتعلق بتجربة ترفيهية محدودة، بل بنموذج قائم على إبقاء المستخدم داخل دورة مستمرة من التفاعل والإنفاق، وهو نموذج يختبر قدرة التشريعات على مواكبة الابتكار التقني، ويطرح في الوقت نفسه أسئلة أعمق حول العلاقة بين التكنولوجيا والسلوك الإنساني.

The post اقتصاد الإدمان الرقمي .. "الكازينوهات الاجتماعية" تجني مليارات الدولارات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress