اقتصاد الإمارات بين التنوع والمرونة... صلابة متصاعدة في مواجهة تداعيات الحرب الإيرانية
تثبت دولة الإمارات يوماً بعد آخر قدرتها على التعامل بكفاءة مع المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، مستندة إلى نموذج اقتصادي مرن نجح في الحد من تأثير التوترات الإقليمية وعلى رأسها تداعيات حرب إيران مع تحويل جزء من هذه التحديات إلى فرص تعزز مسار النمو والاستقرار.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في تفاعل المؤشرات الاقتصادية خلال هذه الفترة، إذ انعكست التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران على تحسن شهية الاستثمار وتعزيز جاذبية الأسواق الإماراتية، ما دعم أداء أسواق المال بارتفاع سوق دبي المالي 6.1% إلى 5766.05 نقطة، وسوق أبوظبي 2.71% إلى 9778.76 نقطة خلال نيسان (أبريل)، بالتوازي مع الزخم الصناعي الذي عكسه انعقاد منصة «اصنع في الإمارات 2026»، والتي عززت مكانة الدولة كوجهة للصناعات المتقدمة وتحقيق حصيلة استثنائية تجاوزت التوقعات، شملت صفقات تجارية بقيمة 104 مليارات درهم، وتوقيع أكثر من 200 اتفاقية ومذكرة تفاهم، إلى جانب استثمارات صناعية معلنة تجاوزت 48 مليار درهم، وتمويلات ودعم بنحو 19 مليار درهم.
ويعزز هذا التكامل متانة البنية الاقتصادية الإماراتية وقدرتها على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص، وهذا ما تؤكده قوة المركز المالي للدولة وتثبيت وكالة "S&P Global Ratings" تصنيفها الائتماني عند AA / A-1+ بنظرة مستقبلية مستقرة، إلى جانب توقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3.1% خلال 2026 وفق صندوق النقد الدولي، مدفوعاً باستمرار توسع القطاعات غير النفطية والخدمية.
سياسات استباقية تعزز المرونة
وفي هذا السياق، يؤكد وضاح الطه، الخبير والمحلل الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد (CISI) في الإمارات، لـ«النهار»، أن الرؤية الإماراتية لتنويع الاقتصاد بدأت منذ عقود بجدية واضحة، الأمر الذي انعكس في ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أكثر من 75% من الاقتصاد الإماراتي خلال النصف الأول من عام 2025.
ويشير إلى أن هذا التنوع جعل الإمارات من أقل الاقتصادات تأثراً بالاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، "في وقت عززت فيه قوة البنية التحتية وكفاءة القطاع المصرفي والتصنيفات الائتمانية المرتفعة، إلى جانب البيئة القانونية المرنة، جاذبية الدولة الاستثمارية وقدرتها على احتواء الأزمات والتكيف مع المتغيرات الدولية".
وانطلاقاً من هذه المقومات، واصلت الإمارات تعزيز جاهزيتها الاقتصادية بسياسات ركزت على تنويع مصادر الدخل وتطوير بيئة الأعمال والتحديث المستمر للتشريعات، بما حافظ على تدفقات الاستثمار الأجنبي ورسخ مكانة الدولة كمركز اقتصادي عالمي.
وفي هذا الإطار، وقعت وزارة الاستثمار الإماراتية ومجموعة البنك الدولي إطار شراكة لدعم الإصلاحات الاستثمارية وتعزيز البيئة المؤسسية لاستقطاب الاستثمارات النوعية، بالتزامن مع حفاظ الإمارات على صدارتها العالمية في بيئة ريادة الأعمال للعام الخامس على التوالي وفق تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال، مدعومة بتطور البنية التحتية وسهولة ممارسة الأعمال وكفاءة البيئة الرقمية والتمويلية.
.jpg)
الصناعة والتجارة في صدارة الدعم
وفي موازاة ذلك، عززت الحكومة الإماراتية توجهاتها لدعم الأمن الاقتصادي عبر حزمة قرارات استهدفت القطاع الصناعي، شملت إنشاء صندوق للمرونة الصناعية بقيمة مليار درهم لتوطين الصناعات الحيوية وتعزيز سلاسل الإمداد وتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توسيع نطاق «برنامج المحتوى الوطني» لدعم المنتجات المحلية ورفع مستويات الاكتفاء الذاتي.
كما واصلت الإمارات تعزيز استراتيجيتها التجارية عبر توقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية جديدة مع الفلبين ونيجيريا والغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ضمن خطة تستهدف رفع التجارة غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم بحلول عام 2031.
وأسهم هذا التوسع في دخول الإمارات للمرة الأولى قائمة أكبر عشرة مصدرين للسلع عالمياً وفق منظمة التجارة العالمية، بعدما سجلت تجارتها الخارجية 6 تريليونات درهم خلال عام 2025 بنمو 15% مقارنة بعام 2024، ما يعكس قوة النشاط التجاري واتساع قاعدة الاقتصاد غير النفطي.
عوامل داعمة للنمو
واستعراضاً لأبرز المقومات التي تدعم استمرار هذا الزخم، يرى الخبير الاقتصادي أحمد عادل، في تصريحات لـ«النهار»، أن الاقتصاد الإماراتي يمتلك أسساً قوية تتيح له مواصلة النمو وتجاوز التداعيات المختلفة، بما في ذلك التوترات الإقليمية وحرب إيران، مدعوماً بالتنوع الاقتصادي الذي قلل الاعتماد على النفط، والانفتاح الاستثماري الذي عزز جاذبية الدولة لرؤوس الأموال العالمية، فضلاً عن البنية التحتية المتطورة في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والمسارات البديلة لدعم حركة التجارة.
ويضيف أن شبكة الشراكات الدولية والسياسات المالية المرنة عززت من قدرة الإمارات على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والتعامل بكفاءة مع المتغيرات الإقليمية والدولية، متوقعاً مواصلة النمو الاقتصادي القوي بمعدلات تفوق تقديرات صندوق النقد الدولي خلال العام الجاري.
ومع استمرار التحديات الجيوسياسية، تبدو الإمارات أكثر قدرة على تحويل الضغوط الإقليمية إلى فرص للنمو وتعزيز تنافسيتها العالمية، مستفيدة من نموذج اقتصادي متوازن أثبت كفاءته في مواجهة الأزمات والتكيف مع المتغيرات الدولية.