اقتصاد "المونة" العربية: هل لا يزال "المرطبان" أوفر من السوق؟
حين كانت العائلات العربية تملأ خزائنها بالمكدوس والكشك والمربيات والمخللات والحبوب المجففة، لم تكن تمارس طقساً تراثياً فحسب. كانت، إلى ذلك، ومن دون دفاتر حسابات، تدير نظاماً اقتصادياً صغيراً: تشتري المحصول أو تجمعه في موسم الوفرة، وتحفظه عندما يكون رخيصاً، لتستهلكه لاحقاً حين يقلّ المعروض وترتفع الأسعار.
كانت "المونة"، بهذا المعنى، أقرب إلى عقد شراء مسبق، إذ شكّلت أكياس البرغل والزعتر والتين المجفف وعبوات الزيتون ودبس العنب احتياطاً يحمي الأسرة من تقلّبات الموسم والسوق. أما العمل اللازم لتحويل المحصول إلى غذاء قابل للحفظ، فكان يُنجَز في الأغلب بأيدي النساء، من غير أن يظهر في الإحصاءات أو يدخل في حساب التكلفة.
تعود المونة اليوم في عالم مختلف: حروب واضطرابات في الشحن، وتضخم وتراجع في القدرة الشرائية، وجفاف يربك المواسم الزراعية. هي لم تعد محصورة في البيت، بل انتقلت إلى التعاونية والمتجر والمنصة الإلكترونية، وأصبح بعضها يُباَع للمغتربين باعتباره منتجاً تراثياً مرتفع القيمة. فهل لا تزال المونة مجدية فعلاً؟
ما علاقة الأمن الغذائي؟
لا يمكن فصل الاهتمام المتجدّد بالمونة عن تدهور الأمن الغذائي. وفق تقرير إقليمي مشترك لوكالات الأمم المتحدة، صدر في عام 2025، عانى نحو 77.5 مليون شخص في البلدان العربية بسبب الجوع خلال العام السابق، أي 15.8 في المئة من السكان؛ وواجه قرابة 198 مليوناً، أو أربعة من كلّ عشرة عرب، انعداماً متوسطاً أو شديداً في الأمن الغذائي، في أعلى مستوى تسجّله المنطقة منذ أكثر من عقدين من الزمن.
وتقدّر "منظمة الأغذية والزراعة" (الفاو) أن اعتماد الشرق الأدنى وشمال أفريقيا على الواردات الغذائية، محسوباً بالسعرات الحرارية، بلغ في السنوات الأخيرة نحو 40 في المئة. وتكشف بيانات تعود إلى الفترة 2006-2010 الجذور القديمة لهذه التبعية، إذ كانت المنطقة تستورد 47 في المئة من حاجياتها من الحبوب، و72 في المئة من الزيوت النباتية، و60 في المئة من السكّر.
لهذا، لا تحقّق المونة استقلالاً غذائياً كاملاً. فقد تكون حبة الباذنجان محلية، بينما يأتي الزيت أو السكر أو العبوة أو الوقود المستخدم في تصنيعها من الخارج. وتؤكد الحروب، من أوكرانيا إلى غزة ولبنان وسوريا والسودان واليمن، أن توافر الطعام لا يتوقف على حجم المحصول وحده، إذ لا تقلّ الطرق والموانئ والوقود والتأمين والقدرة على الدفع أهمية عن الأرض والمطر.
في لبنان، أظهر تقييم صدر في مطلع عام 2025 أن نحو 30 في المئة من المقيمين، أي قرابة 1.65 مليون شخص، واجهوا مستويات الأزمة أو الطوارئ من انعدام الأمن الغذائي بعد تصاعد الحرب الإسرائيلية على البلاد في عام 2024. وبلغت النسبة 25 في المئة بين اللبنانيين، و40 في المئة بين اللاجئين السوريين والفلسطينيين.
أما في سوريا، فلا يتمتع بالأمن الغذائي، وفق معطيات "برنامج الأغذية العالمي"، سوى نحو 18 في المئة من السكان، فيما يواجه أكثر من سبعة ملايين شخص انعداماً حاداً فيه. وزاد الجفاف الوضع سوءاً، إذ أدى أسوأ موسم جاف تشهده البلاد منذ 36 سنة إلى خفض إنتاج القمح في عام 2025 بنحو 40 في المئة، بينما قدّرت "الفاو" العجز بنحو 2.73 مليون طن.
ترتبط كلمة المونة ببلاد الشام، لكن فكرتها الاقتصادية موجودة في معظم المجتمعات العربية. في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن، تشمل المكدوس والكشك والفريكة والزعتر واللبنة والزيتون والمربيات ودبس الرمان والعنب. وفي العراق، تشمل الطرشي والدبس وتجفيف الخضر وحفظ الحبوب، فيما تعرف مصر تجفيف الملوخية والبامية وتصنيع صلصة الطماطم والمخللات. وفي المغرب، تبرز منتجات الزيتون والكسكس والسمن وزيت الأركان والأملو، وفي تونس والجزائر وليبيا الهريسة وزيت الزيتون والطماطم المجففة والحبوب. أما في بلدان الخليج العربي واليمن، فتؤدي التمور والأسماك المجففة والمملّحة والسمن وظيفة مماثلة.
نماذج مختلفة
يقدّم لبنان النموذج الأوضح لانتقال المونة من التدبير المنزلي إلى نشاط تجاري شبه منظم. منذ عام 2019، ساعد برنامج لـ"الفاو"، بالتعاون مع وزارة الزراعة والمديرية العامة للتعاونيات، في بناء قدرات أكثر من 250 مجموعة نسائية في الإدارة والتسويق وسلامة الغذاء والتعبئة. كذلك أدرجت منظمة العمل الدولية "تصنيع المونة" من ضمن الحرف التي وضعت لها مناهج تدريب مهني. لكن في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد منذ عام 2019، تفيد تقارير بأن سوق ما يمكن تسميته "مونة الحنين" الفاخرة الموجهة إلى الميسورين والمغتربين لا تزال تنمو، فيما تنكمش أحجام "مونة الأمان" التي تعدّها أو تشتريها الأسرة المقيمة.
في فلسطين، أتاحت برامج للجمعيات النسائية شراء الخضراوات والفاكهة عندما تكون في أدنى أسعارها، ثم تحويلها إلى مربيات ومخللات وعصائر تُبَاع خارج الموسم. وفي الأردن، تتولى نساء ريفيات تجفيف الحبوب والخضر وحفظ ورق العنب وصناعة الفريكة ودبس العنب ومنتجات الحليب. أما في المغرب، فتحوّلت مهارات تصنيع الزيتون واللوز والكسكس والأركان إلى قاعدة لتعاونيات ومنتجات مرتبطة بمناطق منشأ محدّدة.
لكن إنشاء التعاونية وتزويدها بالمعدات لا يضمنان النجاح. خلُص تقييم دولي للصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، استناداً إلى تجارب من بلدان بينها السلفادور ورواندا، إلى أن المنظمات الإنتاجية تكتسب قدرة أفضل على إدارة أعمالها إذا استمر دعمها دورتين أو أكثر، أي ما بين عشر سنوات و15 سنة؛ ذلك أن المشكلة لا تقتصر دائماً على الإنتاج، بل تطاول أيضاً الجودة والتمويل والتسويق والوصول إلى المستهلك.
ولا تكفي مقارنة سعر الباذنجان بسعر "مرطبان" المكدوس. تضمّ التكلفة الحقيقية المادة الخام والزيت أو السكر والطاقة والمياه والعبوة والنقل والعمل والتخزين والفاقد. تكون المونة أوفر عندما تُشترَى الموادّ مباشرة من المزارع في ذروة الموسم، ويُعَاد استخدام العبوات، وتُحضَّر كميات كبيرة ويُستهلَك كامل الإنتاج. وقد تصبح المونة أغلى ثمناً من المنتجات الجاهزة إذا اشترت الأسرة مكوناتها بالتجزئة، واستخدمت عبوات جديدة وكثيراً من الغاز أو الكهرباء، وأنتجت كميات صغيرة.
وتختلف المعادلة من منتج إلى آخر. يُعَدّ التجفيف الشمسي للحبوب قليل التكلفة نسبياً، بينما يحتاج المربى إلى السكر والطهو الطويل، ويستهلك المكدوس الزيت والجوز، وتتطلب المنتجات المجمدة تياراً كهربائياً مستمراً. وثمة أيضاً مشكلة السيولة. قد يوفر شراء محصول يكفي موسماً كاملاً المال لاحقاً، لكنه يتطلب دفع التكلفة دفعة واحدة. وهنا تكمن المفارقة: الأسر الأفقر هي الأكثر حاجة إلى التوفير، لكنها قد تكون الأقلّ قدرة على التمويل المسبق.
وثمة تكلفة أخرى لا تظهر في سعر المرطبان، هي عمل النساء. لا تُسجَّل عادة الساعات التي تُقضَى في الشراء والفرز والغسل والطبخ والتجفيف والتعقيم باعتبارها عملاً منتجاً. قد تبدو المونة أوفر لأن الأسرة لم تدفع أجراً، لا لأنها استخدمت موارد أقلّ. وعندما تتحوّل المونة إلى مشروع تجاري، لا يتحقّق التمكين الاقتصادي ما لم تدخل أجور الأيدي العاملة في السعر النهائي.
قطاع قابل للنمو
في المقابل، يرفع التضخم قيمة المونة وتكلفتها معاً. بلغ متوسط تضخم أسعار الغذاء على أساس سنوي في 16 اقتصاداً من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 29 في المئة بين آذار (مارس) وكانون الأول (ديسمبر) 2022، وفق البنك الدولي. تتيح المونة تثبيت تكلفة جزء من الغذاء قبل ارتفاع الأسعار، لكنها تتأثر بدورها بغلاء الزيت والسكر والوقود والنقل. هي لا تلغي التضخم، بل تقدّم موعد دفعه إلى موسم الوفرة. ويزيد التغير المناخي الحساب تعقيداً. يُعَدّ الجفاف والحرائق وموجات الحر عوامل تقلّص المحاصيل، وتغيّر مواعيد النضج، وقد ترفع الأسعار حتى في الموسم. وهكذا تصبح المونة أداة لحفظ الفائض والتكيف مع المناخ، مع أنها تعتمد هي نفسها على زراعة مهددة.
لكي تصبح المونة قطاعاً قابلاً للنمو، تحتاج إلى مطابخ ومعامل مشتركة مرخّصة وفحوص للصلاحية والحموضة والتلوث وبطاقات واضحة للمكونات وتواريخ الإنتاج، ذلك أن بيع الأغذية المنزلية على نطاق واسع، من دون معايير للتعقيم والتخزين، قد يحوّل وسيلة حفظ الطعام إلى مصدر خطر صحيّ. ويمكن للشراء الجماعي للزيت والسكر والعبوات، واستخدام الطاقة الشمسية في التجفيف والتسخين، وتوفير التمويل الموسمي والتسويق المباشر، أن تخفض التكلفة وتزيد حصة المنتج من السعر النهائي، في حين تساعد علامات المنشأ الجغرافي في حماية المنتجات المحلية من التقليد ورفع قيمتها، بدلاً من ترك المنتجين الصغار تحت رحمة الوسطاء.