الأحزاب واستحمار المواطنين: حين تتحول الانتخابات إلى موسم لامتصاص الأمل..!
في كل موسم انتخابي، تستيقظ الأحزاب من سباتها الطويل، تخلع عنها غبار السنوات، وتلبس أقنعة القرب من المواطن، فتملأ الشوارع بالشعارات، وتغرق المنصات بخطب منمقة تعد بالكرامة والعدالة والتنمية. غير أن المواطن، الذي خبر الوجوه نفسها وهي تعود كل مرة بألوان جديدة، صار يدرك أن كثيرا من الوعود لا تعدو أن تكون مسرحية موسمية، هدفها اقتناص الأصوات لا بناء الوطن.
لقد تحولت بعض الأحزاب، في كثير من البلدان العربية، إلى آلات انتخابية تشتغل بمنطق السوق لا بمنطق المبادئ. المواطن بالنسبة إليها رقم انتخابي، وصوته سلعة قابلة للمساومة، أما الوطن فيظل مجرد خلفية خطابية تُستدعى عند الحاجة. وهكذا، يصبح الفقر فرصة للاستغلال، والبطالة وسيلة للابتزاز، والهشاشة الاجتماعية خزانا انتخابيا يُستثمر كلما اقترب موعد الاقتراع.
الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات ساهمت في خلق هوة عميقة بين المواطن والسياسة. فحين يكتشف الناس أن المنتخب الذي طرق أبوابهم بالأمس صار بعيدا عنهم بعد فوزه، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويتحول الإحباط إلى عزوف سياسي خطير. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: ليس فقط في فساد بعض الأحزاب، بل في قتل الإيمان الجماعي بإمكانية التغيير.
إن ظاهرة “استحمار المواطنين” لا تقوم فقط على الكذب الانتخابي، بل على إهانة الوعي العام. فبعض السياسيين يعتقدون أن ذاكرة الشعوب قصيرة، وأن الفقر قادر على إسكات الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والشفافية والمحاسبة. لذلك تتكرر الوجوه ذاتها، والخطابات ذاتها، بينما يبقى الواقع مثقلا بالأزمات ذاتها.
لكن، وسط هذا المشهد القاتم، يظل الوعي الوطني هو السلاح الحقيقي في مواجهة مصاصي الدماء السياسيين. فالمواطن الواعي لا يبيع صوته مقابل وعود عابرة، ولا ينخدع بالخطب الرنانة، بل يحاسب ويقارن ويتساءل: ماذا قدمتم للوطن؟ ماذا تحقق من برامجكم؟ ولماذا ما زالت الهوة تتسع بين السلطة والشعب؟
إن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بالصراخ الانتخابي ولا بالولائم الموسمية، بل ببناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على المسؤولية وربط السلطة بالمحاسبة. فالوطن ليس غنيمة انتخابية، والمواطن ليس قطيعا يُقاد كل خمس سنوات نحو صناديق الاقتراع.
لقد آن الأوان لكي تدرك الشعوب أن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام فقط، بل سرقة الوعي أيضا. لأن الأمة التي يُستغفل شعبها، تتحول تدريجيا إلى أرض مستباحة للانتهازيين وتجار الشعارات. أما حين يستيقظ الوعي الوطني، فإن كل الأقنعة تسقط، ويصبح المواطن قادرا على التمييز بين السياسي الذي يخدم الوطن، والسياسي الذي لا يرى في الوطن سوى طريق نحو الامتيازات والمصالح الشخصية.
باحث أكاديمي