الاقتصاد المغربي يستفيد من انتعاش قطاع الفلاحة وعودة دينامية الإسمنت
أكدت معطيات اقتصادية رسمية حديثة انتعاشا بارزا في دينامية القطاع الفلاحي، متوقعة أن يدعم إنتاجَ الحبوب برسم الموسم الفلاحي 2025-2026، الذي يُقدَّر بـ 90 مليون قنطار، أي أكثر من ضعف إنتاج الموسم السابق الذي بلغ 43,1 مليون قنطار، تحسنٌ واضح في الموارد المائية بالسدود، حيث سجل معدل ملئها “فائضا” بنسبة 92 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية.
وأفادت بيانات أحدث مذكرات الظرفية (رقم 351) الصادرة عن مديرية التوقعات والدراسات المالية (التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية) برسم شهر ماي 2026، اطلعت هسبريس على نسخة منها، بأنه في خضم ظروف دولية متذبذبة، يبرز الاقتصاد الوطني مؤشرات قطاعية قوية تعكس “تعافيا ملحوظا” مدفوعا بتحسن العوامل المناخية والدينامية المستمرة لمهن المغرب العالمية.
الفلاحة والصيد البحري
من المرتقب كذلك أن يبلغ محصول الزيتون “مستوى قياسيا” هذه السنة، وفق تقديرات وزارة الفلاحة، بحوالي مليوني طن، بزيادة قدرها 111 في المائة، بحسب المذكرة ذاتها، التي أبرزت أن “محصول الحوامض يصل 1,9 مليون طن (زائد 25 في المائة)، والتمور 160 ألف طن (زائد 55 في المائة)”.
الدينامية الفلاحية جاءت مدعومة أيضا ببرنامج إعادة تشكيل القطيع الوطني، إلى جانب “تحسن الظروف المناخية خلال هذه السنة والولادات في فصلي الخريف والربيع”، بشكلٍ سمح باستعادة توازن القطيع الوطني، الذي يناهز عدده 40 مليون رأس.
ورغم هذه الأرقام الإيجابية، شهدت الصادرات الفلاحية والغذائية تراجعا طفيفا بنسبة 2.3% لتستقر عند 26.8 مليار درهم في نهاية مارس 2026، متأثرة بتقلص صادرات المنتجات محض الفلاحية بنسبة 6.3%، وهو التراجع الذي خففت من حدته الطفرة الإيجابية لصادرات الصناعات الغذائية بنسبة 4.4%.
في قطاع الصيد البحري، أظهرت مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي “تعافيا معززا بنمو قيمتها التسويقية” بنسبة 5.3% في نهاية أبريل 2026، مدفوعة بأداء استثنائي خلال شهر أبريل وحده شهد قفزة في حجم الكميات المفرغة بنسبة 51.7% وارتفاعا موازيا في قيمتها بنسبة 64.8%.
الصناعات والمعادن والإسمنت
القطاع الصناعي والأنشطة الثانوية حافظت بدورها على “دينامية توسعية تجسدت في تسارع وتيرة نمو القيمة المضافة للصناعات التحويلية” لتصل إلى 4.3% بنهاية عام 2025 مقارنة بـ 3.3% في السنة التي سبقتها. وحافظ معدل استغلال القدرة الإنتاجية في المصانع على استقراره عند مستوى متقدم بلغ 77.7% بنهاية مارس 2026.
وواصل قطاع صناعة السيارات قيادة الصادرات المغربية محققا نموا قويا بنسبة 12.1% لتبلغ قيمته 41.9 مليار درهم، مستحوذا على 34.7% من الإجمالي التصديري للمملكة في نهاية الربع الأول من 2026. وبالمثل، انتعشت صادرات الطيران بنسبة 12.6% لتسجل 7.9 مليارات درهم، بينما تضاعفت مبيعات قطاع البلاستيك والمطاط بشكل ملحوظ بنسبة 96.5%.
في المقابل، مرّ قطاع الفوسفاط ومشتقاته من “ضغوط ظرفية” أدت إلى انخفاض طفيف في إنتاج الفوسفاط الخام بنسبة 2% ومشتقاته بنسبة 0.7% خلال الربع الأول، مما تسبب في تراجع قيمة صادرات القطاع بنسبة 7.4% لتستقر في حدود 19.1 مليار درهم؛ غير أن شهر مارس 2026 حمل بوادر ارتداد قوي للغاية من خلال قفزة في إنتاج الفوسفاط الخام بنسبة 12.7% ومشتقاته بنسبة 12.2%، وفق “بيانات الظرفية”.
وفيما يتعلق بقطاع البناء والأشغال العمومية، سجلت مبيعات الإسمنت “شبه استقرار” بنهاية أبريل 2026 بنسبة انخفاض “هامشية” لم تتعد ناقص 0.1%، ويعزى هذا الركود الطفيف إلى “توقف الأوراش مؤقتا في شهرَي يناير وفبراير جراء التساقطات المطرية الكثيفة”، قبل أن يشهد شهر أبريل انتعاشا قويا بنسبة نمو بلغت 31.8%.
هذا الحراك انعكس على التمويلات العقارية، حيث ارتفع جاري القروض الموجهة للعقار بنسبة 3.4% ليتجاوز 323.4 مليار درهم، مدعوما بنمو قروض السكن بنسبة 2.9% وقروض الإنعاش العقاري بنسبة 4.8%.
السياحة والخدمات والنقل والاتصالات
واصل قطاع الخدمات والأنشطة الثالثية تميّزه، لا سيما قطاع السياحة الذي شهد استمرارا للموجة التوسعية القوية؛ إذ استقبلت الوجهات الوطنية 4.3 ملايين سائح في نهاية مارس 2026 محققة زيادة بنسبة 7%.
وصاحَب ذلك ارتفاع في ليالي المبيت بمعدل 10% لتصل إلى 9.9 ملايين ليلة، ما أفضى إلى طفرة في عائدات السفر التي نمت بنسبة استثنائية بلغت 23.5% مستقرة عند 31 مليار درهم.
هذه النتائج تكاملت مع الأداء المتميز لقطاع النقل، حيث نما رواج حركة المسافرين عبر الجو بنسبة 11.1%، وزاد حجم الرواج التجاري في الموانئ الوطنية بنسبة 4.3%، مسجلا 63.3 مليون طن من البضائع بنهاية مارس 2026.
وفي سياق متصل، أظهر قطاع الاتصالات في نهاية عام 2025 تطورا ثابتا؛ إذ نما “بارك الهاتف المحمول” بنسبة 1.5% ليصل إلى 59.2 مليون مشترك، بينما ارتفع “بارك الإنترنت” بنسبة 3.1% ليناهز 41.5 مليون مشترك، وهو ما “رفع معدلات النفاذ الرقمي في المملكة بشكل قياسي”.
صمود الاقتصاد والتوازنات
باستقراء هسبريس لبيانات الظرفية، يُظهر تقييم المقومات الهيكلية للاقتصاد الوطني في الأشهر الماضية من عام 2026 علامات جلّية على “مرونة متقدمة” في مواجهة الأزمات الدولية والتقلبات الجيو-سياسية المفاجئة؛ وإنْ كانت هذه المرونة مصحوبة بضغوط “متزايدة على التوازنات الخارجية والمالية”.
ويتجلى خط الصمود الأساسي في قدرة العائدات السياحية البالغة 31 مليار درهم وتحويلات مغاربة العالم التي ناهزت 29.7 مليار درهم على توليد تدفقات مالية مجتمعة بقيمة 60.7 مليار درهم، نجحت في توفير تغطية مالية مباشرة لنحو 69.5% من عجز الميزان التجاري، مع “استقرار الأصول الرسمية للاحتياطي” عند مستوى صلب يبلغ 457.8 مليار درهم، وهو حجم أمان مالي مريح يضمن تغطية 5 أشهر و19 يوما من الواردات الشاملة للسلع والخدمات.
علاوة على ذلك، برزت المرونة اللوجستية والاستراتيجية للمملكة في قدرتها على إدارة أزمات التموين الطاقي الدولية؛ إذ نجح المغرب في تأمين حاجياته من غاز البوتان بفضل التوجه الفعال نحو تنويع الأسواق الدولية، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تؤمّن لوحدها أكثر من 70% من إجمالي الواردات الوطنية للغاز.
وفي المقابل، لا يزال اتساع العجز التجاري يمثل “التحدي الرئيسي الكابح” للمؤشرات الخارجية، حيث تفاقم عجز الميزان التجاري بنسبة 23.9% ليصل إلى 87.4 مليار درهم، نظرا لأن نمو الواردات الإجمالية المدفوعة بزيادة مشتريات التجهيزات والمواد الخام بنسبة 11.1% (لتصل إلى 208.1 مليار درهم) كان أسرع من نمو الصادرات التي سجلت زيادة قدرها 3.3% فقط (لتبلغ 120.7 مليار درهم)، الأمر الذي هبط بمعدل التغطية بواقع 4.4 نقاط ليستقر عند 58% بنهاية مارس.
على صعيد المالية العامة، سجل عجز الميزانية “تفاقما طفيفا” ليصل إلى 19.1 مليار درهم عند نهاية أبريل 2026 مقارنة بـ 17.5 مليار درهم في العام المنصرم. ويعزى هذا الفارق الإحصائي إلى أن النفقات الإجمالية للدولة ارتفعت بنسبة 7.7% مدفوعة بتمويل استثمارات التجهيز العمومي والتكاليف المترتبة على تنزيل التزامات الحوار الاجتماعي التي رفعت نفقات الموظفين بنسبة 9.6%، على الرغم من الأداء الضريبي الممتاز الذي قادته المداخيل الجبائية بنمو إجمالي بلغ 8.9% وبدعم لافت من الضريبة على الشركات التي قفزت مداخيلها بشكل استثنائي بنسبة 24.9%.
وشهدت الكتلة النقدية “نموّا سنويا بنسبة 10% لتصل إلى 2103.7 مليارات درهم”، مصحوبة بتسارع “الائتمانات البنكية” بنسبة 7.4%، في وقت سجلت فيه أسعار الفائدة في البنوك انخفاضا طفيفا، حيث تراجع المتوسط الموزع للمعدلات الدائنة والمدينة إلى حدود 4.66% خلال الربع الأول من عام 2026.
The post الاقتصاد المغربي يستفيد من انتعاش قطاع الفلاحة وعودة دينامية الإسمنت appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.