الباطل يستنفر جموعه… فماذا أعددنا للمواجهة؟

النّاظر بعين البصيرة، إلى واقع العالم، يرى كيف أنّ الشرّ قد كشّر عن أنيابه، وحشد كلّ جنده وأعوانه وعملائه، وكأنّه أدرك أنّه سيخوض معركته الأخيرة والفاصلة مع الحقّ.. الظّلم قد عمّ والفساد قد طمّ، إلا ما رحم الله، ولم يبق على ظهر هذه الأرض سوى قلّة من أهل الحقّ يرفعون أصواتهم برفض الظّلم والفساد، ويحملون همّ الثبات على الحقّ ونصرة الدّين وقضاياه. وكأنّنا نتّجه بسرعة مخيفة نحو ما أخبر عنه النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- حين قال: “بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطُوبى للغرباء”. قيل: يا رسول الله: من الغرباء؟ قال: “الذين يصلحون إذا فسد الناس”.
من يتابع الأخبار على القنوات ويتصفّح المواقع، هذه الأيام، وهو يفكّر في دينه وأمّته، سيقف على ذلك الكمّ الهائل من الموادّ المتنوّعة التي تهاجم الحقّ بكلّ شراسة، وتشكّك في الله وفي نبيّه وكتابه ودينه بكلّ جرأة، وتروّج للكفر والإلحاد والفسوق والشّذوذ والفساد بكلّ إصرار.. ومع قليل من التأمّل سيدرك النّاظر أنّ وراء هذه الحملة المركّزة أموالا طائلة تنفق وجهودا كبيرة تبذل وذمما كثيرة تشترى وتستنفر! وسيشعر بالخوف وهو يعاين كيف أنّ كثيرا من المسلمين بدؤوا ينساقون لهذه الحملة الآثمة، وبدأ دينهم يبلى وإيمانهم يتذبذب أمام كثرة الشّبهات وتدفّق الشّهوات! ومعه يستذكر ما أنذر به النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- حينما قال: “بَيْنَ يدَيِ السَّاعةِ فِتَنٌ كقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ؛ يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافرًا؛ يبيعُ فيها أقوامٌ خَلاقَهم بعَرَضٍ مِن الدُّنيا قليل”.
المرحلة التي وصلنا إليها مرعبة؛ ما كان يقينا مسلّما به أضحى موضع نقاش وأخذ وردّ، وما كان مستقبحا ومستقذرا أصبح خيارا مقبولا حتى عند بعض المسلمين! المنكرات التي تفرّقت في الأمم السابقة اجتمعت في البشرية في هذا الزّمان، وكأنّ العالم يتهيّأ لخروج المسيح الدجّال! ومن واجب كلّ واحد منّا أن يخاف على دينه وإيمانه وعقله وقلبه، أكثر من خوفه على دنياه وبدنه وجوارحه.. نحن الآن في مواجهة وباء خطير، لا يهدّد الأجساد، إنّما يهدّد أعزّ ما نملك في هذه الحياة دينَنا وإيماننا، ومن واجبنا أن نأخذ أهبتنا واحتياطاتنا حتى لا نفقد أغلى ما نملك.
من واجبنا أن نعلن حالة الاستنفار في نفوسنا وأحوالنا، وفي واقعنا وبيوتنا، حتّى نَثبت في هذه الفتنة التي تتعاظم يوما بعد يوم. هذه الفتنة لن يثبت أمامها من يتعامل مع دينه كأنّه متاع زائد في حياته يعطيه فضول الهموم والأوقات.. ولن تثبت أمامها بيوت تُبنى على الدّنيا وتعيش لأجل الدّنيا، ولا تقيم وزنا لشرع الله وحدوده، ولا همّ يحمل فيها غير همّ المطاعم والملابس والمتع والأعراض الفانية.
أوّل خطوة تعيننا على الثبات أمام هذه الفتنة المدلهمّة، هي أن نعيد النظر في علاقتنا بديننا ونعيد النّظر في مكانة الدّين في حياتنا. ديننا يجب أن يكون أعزّ ما نملك ويكون لدينا الاستعداد الكامل لأن نفديه بأموالنا وأنفسنا وأولادنا وكلّ ما نملك في هذه الدّنيا. وشرع ربّنا يجب أن يكون هو الدّستور الأعلى والأغلى الذي يحكم حياتنا ونهتمّ بلزوم حدوده وأوامره وزواجره.. إنّنا سنكون على خطر عظيم إن نحن بقينا نتعامل مع ديننا كما لو كان واحدا من اختيارات أخرى كثيرة؛ نتذكّره في الصّلاة والصيام والجنائز، وننساه في أفراحنا وأعراسنا وتجاراتنا ومعاملاتنا المادية، ونطرحه من ولاءاتنا ومواقفنا!
إذا أردنا أن نثبت أمام الفتنة، فينبغي أن نحذر الدنيا على قلوبنا؛ فالدّنيا أضرّ بالقلوب من السرطان بالأجساد.. الدّنيا مكانها اليد، وإذا تسلّلت إلى القلب فإنّها تفسده وتقلب موازينه. إذا ظلّت الدّنيا تسري في قلوبنا وتسيطر عليها فإنّ ديننا سيظلّ في آخر اهتماماتنا وسنظلّ نتعامل مع الآخرة كأنّها وعد بعيد!
إصلاح قلوبنا ينبغي أن يكون مشروعنا الذي يحظى بالنصيب الأوفى والأوفر من اهتمامنا وسعينا.. أما إن بقينا نقصر اهتمامنا على أبداننا واحتياجاتها الأرضية، فإنّنا لن نثبت أمام الفتن ولن يصلح لنا دين ولا آخرة.. قلوبنا قد قست بالدّنيا وبالمعاصي والذّنوب، وإذا أردنا لها أن تلين وتحيا وتصلح، فالواجب علينا أن نعالجها بكثرة ذكر الموت، وتذكّر الحساب والجنّة والنّار، والاعتبار برحيل الأحباب والأقارب والجيران، وبالإكثار من تلاوة القرآن وتدبّره، وإدامة ذكر الله في كلّ وقت: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب)).
إذا أردنا أن نثبت في الفتنة، فينبغي لنا أن نراجع علاقتنا بكتاب الله؛ فكتاب الله هو أقوى وتد يثبّت القلوب في أوقات الفتن، لكن ليس لمن يهجره ولا يتذكّره إلا في الجنائز ولا لمن يتبرّك به في افتتاح الاجتماعات والملتقيات، إنّما لمن يتلوه ويتدبّره ويخشع في تلاوته ويجاهد نفسه للعمل بأحكامه: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)).
إذا أردنا أن نثبت في الفتنة، فينبغي لنا أن نراجع علاقتنا بالصّلاة. ربّما كثير منّا يصلّون الصلوات الخمس في أوقاتها، لكنّهم لا يجدون للصلاة أثرا في قلوبهم ولا في جوارحهم ولا في معاملاتهم. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ صلاتنا ليست بتلك الصلاة التي يحبّها الله ويجازي بها خيرا في الدّنيا والآخرة، ليست صلاة القلب والرّوح، إنّما هي صلاة الأعضاء والجوارح الظّاهرة.. وما منّا من أحد إلا وهو في أمسّ الحاجة لأن يتوب إلى مولاه من صلاة لا يخشع فيها ولا يجد لها أثرا في قلبه ولا في بصره ولا في سمعه ولا في حياته.. الله –تعالى- يقول: ((فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ))؛ وإذا كان هذا في حقّ من يصلّون لكنّهم يراؤون بأعمالهم ويبخلون بأموالهم؛ فكيف بمن يصلّون وهم في الشهوات غارقون وإلى العورات ينظرون ولعباد الله يغتابون وللعهود والوعود ينكثون، وللأمانات يضيّعون؟!
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post الباطل يستنفر جموعه… فماذا أعددنا للمواجهة؟ appeared first on الشروق أونلاين.