البحرية الصينية في هرمز: قوّة حاضرة… وقرار بالغياب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

وارف قميحة*

 

لم يعد مضيق هرمز ممراً بحرياً تقليدياً كما كان يُنظر إليه، بل تحوّل تدريجاً إلى مساحة تُدار أمنياً أكثر مما تُنظَّم قانونياً، حيث أصبحت حركة السفن محكومة بإجراءات وتحذيرات متقاطعة من الجانب الإيراني داخل المضيق ومن الجانب الأميركي خارجه، ما جعل مسألة العبور مرتبطة بحسابات أمنية مباشرة، وفي مثل هذه البيئة لم يعد السؤال نظرياً حول من يملك القوة، بل أصبح عملياً: من يختار استخدامها ومن يفضّل تجنّبها.

ضمن هذا المشهد، يبرز التحوّل الذي شهدته البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني خلال العقد الأخير، وهو تحول لم يكن مجرد تحديث تقني بل انتقال واضح من قوة دفاع ساحلي إلى قوة قادرة على العمل في مسافات بعيدة، في سياق يرتبط مباشرة بحماية خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الصين، خصوصاً تلك التي تمر عبر ممرات حساسة مثل هرمز، حيث طوّرت بكين أسطولاً متنوّعاً يضم حاملات طائرات ومدمرات ثقيلة وغواصات ذات قدرات استراتيجية، إلى جانب سفن دعم لوجستي تسمح بالعمل لفترات طويلة خارج المياه القريبة، وهو ما يعكس استعداداً للعمل في بيئات بعيدة ومعقدة، مع بقاء الفرق قائماً بين امتلاك القدرة واستخدامها.

 

خارج النطاق التقليدي

وفي الوقت نفسه، اكتسبت البحرية الصينية خبرة تشغيلية خارجية، ولو ضمن نطاق محدود، من خلال مهام مثل مرافقة السفن في خليج عدن منذ سنوات، وهي تجربة منحتها احتكاكاً عملياً ببيئة عملياتية خارج نطاقها التقليدي، ما يجعلها اليوم قوة قادرة على الحضور عند الحاجة، لا فقط على عرض قدراتها.

ومع ذلك، تبقى المفارقة قائمة، إذ إن الصين، رغم امتلاكها هذه القدرات، لا تشارك عسكرياً في إدارة التوترات الحالية في مضيق هرمز، وهو ما لا يرتبط بنقص في الإمكانيات بقدر ما يرتبط بطبيعة الحسابات، فالصين التي تعتمد على هذا الممر في تأمين احتياجاتها من الطاقة تدرك في الوقت نفسه أن أي انخراط عسكري مباشر في الخليج قد يجرّها إلى التزامات طويلة الأمد في بيئة معقدة، وهو ما تحاول تجنبه عبر مقاربة مختلفة تقوم على إدارة المخاطر بدل مواجهتها عسكرياً، من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف والدفع باتجاه التهدئة دون الانخراط في ترتيبات أمنية تصادمية.

غير أن هذا النهج يواجه اختباراً فعلياً مع تصاعد المخاطر، فحين تصبح الممرات الحيوية خاضعة لاعتبارات أمنية مباشرة، يتراجع هامش الاعتماد على الأدوات غير العسكرية، ويبرز سؤال يصعب تجاهله: إلى متى يمكن تأجيل استخدام القوة إذا استمرت هذه المعادلة، خصوصاً في ظل التوترات التي شهدتها الممرات البحرية القريبة خلال الفترة الماضية، ولا سيما في البحر الأحمر، وما رافقها من تقلبات في كلفة الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها بكين بشكل أساسي.

 

قوة تملك الإمكانيات

ما يجري في مضيق هرمز لا يقتصر على اختبار توازن القوى، بل يمتدّ ليشمل نماذج استخدامها، حيث تعتمد بعض القوى على الحضور العسكري المباشر لفرض قواعد الملاحة، بينما تختار الصين، في هذه المرحلة، البقاء خارج المواجهة مع الحفاظ على الجاهزية، وهو ما يضعها في موقع مختلف: قوة تملك الإمكانيات، لكنها لا تتصرّف كطرف في الصراع.

الصين اليوم قوة حاضرة، لكنها لا تستخدم هذه القوة في هرمز، وهذا بحد ذاته قرار، وليس غياباً، فالمسألة لا تتعلق بامتلاك القدرة بقدر ما ترتبط بتوقيت استخدامها وحدودها، في بيئة لا تكافئ الاندفاع بقدر ما تختبر القدرة على الحساب، ومع استمرار الضغط على الممرات الحيوية، قد تجد بكين نفسها أمام مرحلة لا يكفي فيها الحضور غير المباشر، بل تتطلب إعادة تعريف دورها البحري بما يتجاوز الاكتفاء بالمراقبة إلى حماية أكثر وضوحاً لمصالحها الحيوية.

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية