البراهمة: الدولة أغلقت الفضاءات العمومية وصادرت الحق في الاحتجاج.. والتشريعات تتجه نحو التضييق والضبط
قالت سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إن الدولة المغربية لم تغلق فقط الفضاءات العمومية وتصادر الحق في الاحتجاج، وتمس بالحق في المحاكمة العادلة في كثير من الملفات، بل تسعى إلى المس بالحقوق من المنبع عن طريق إصدار قوانين وتشريعات تضيق على الحقوق والحريات.
واعتبرت البراهمة، في ندوة نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نهاية الأسبوع بمقرها بالرباط، بعنوان “هندسة القوانين كآلية لشرعنة الاستبداد ومأسسة القمع”، أننا الآن لسنا أمام قوانين تحمي المواطنين بصدق وتضمن حقوقهم.
وأكدت رئيسة أكبر جمعية حقوقية بالمغرب أن الإطار الذي تترأسه محروم من حقه في استغلال القاعات العمومية، والبديل الوحيد الذي تلجأ إليه الجمعية خلال تنظيم أنشطتها هو نادي المحامين بالرباط، مشيرة إلى أن النص القانوني انتقل من مفهوم سيادة القانون الذي يخضع فيه الجميع لمعايير عادلة مجردة ومتساوية تحمي الفرد من تغول السلطة التنفيذية، إلى سوط وهندسة تشريعية توظفها السلطة لضبط المجتمع، وخنق المعارضة السلمية وتجفيف الفضاء المدني.
وأشارت إلى أن هذه الهندسة التشريعية تفرغ الحقوق من مضمونها، وخاصة عندما يتم الاعتماد في التشريعات على المصطلحات الفضفاضة والمطاطية في صياغة القوانين الجنائية، مما يمنح الأجهزة الأمنية والقضائية سلطة تقديرية هائلة لتجريد بعض الحقوق، مثل الحق في التظاهر والاحتجاج السلمي، وإلباسها لبوسا آخر مثل الإخلال بالنظام العام وإهانة رموز الدولة.
وأضافت أنه وفق هذا المنحى يتم إخضاع السلطة القضائية بقوانين تحكمية أو بالتعيينات والترقيات، والالتفاف على الضمانات الحقوقية للمتقاضين وصلاحيات الدفاع لضمان وجود قضاء مطيع ينفذ هذه الترسانة القانونية القمعية، مؤكدة أن البيئة التشريعية في المغرب تقدم نموذجا شديد التعقيد، حيث يتنازع النص الدستوري لسنة 2011، الذي يضمن الحقوق والحريات، مع ترسانة قانونية فرعية تتحرك بآليات تقييدية تفرغ مبادئ الدستور من محتواها العملي.
وشددت البراهمة على أن هذا التناقض الصارخ يتضح في فصول القانون الجنائي، خاصة الفصل 179 وما يليه، والمتعلق بالمس بثوابت الدين الإسلامي والنظام الملكي وبالوحدة الترابية، والفصلين 263 و 265 المتعلقين بإهانة هيئات منظمة وموظفين عموميين، حيث يلاحظ غياب أي تعريف دقيق لمفهوم المس أو الإهانة، مما يفتح الباب واسعا لملاحقة الصحفيين والمدونين بمجرد توجيه انتقادات للسياسات العامة أو توثيق التجاوزات، وهو ما يشكل مسا مباشرا بالأمن القانوني للأفراد.
وسجلت أن هذا المنطق التقييدي يمتد ليعيد صياغة التوازنات الإجرائية في مقتضيات قانون المسطرة المدنية، عبر تقليص ضمانات الولوج المستنير للعدالة، ومحاصرة أدوار منظومة الدفاع خاصة في مشروع قانون المحاماة الجديد، ويمتد هذا التقييد إلى قوانين أخرى مثل قانون الإرهاب.
وتابعت: “رأينا كيف تم توجيه تهم المس بسلامة الدولة والتآمر لنشطاء حراك الريف، فقط لممارستهم حقهم في الاحتجاج، وهي بالأساس تهم تسقط كل ضمانات الحق في المحاكمة العادلة، وتوضح كيف يتحول النص الاستثنائي والمؤقت إلى قاعدة عامة”. مؤكدة أن هذا الالتفاف التشريعي يظهر بشكل صارخ في قضايا الرأي، فبالرغم من أن قانون الصحافة والنشر جاء خاليا من العقوبات السجنية، إلا أن الممارسة القضائية تعمل على نقل المتابعات نحو القانون الجنائي، من أجل شرعنة العقوبات السالبة للحرية، تحت تهم السب والقذف أو نشر أخبار وادعاءات كاذبة أو انتهاك الحياة الخاصة، من أجل إعادة إنتاج العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي.
وأوضحت أن هذا التضييق يشمل أيضا الفضاء المدني عبر ما يسمى بوصل الإيداع، حيث تلجأ السلطات المحلية إلى الرفض التعسفي لملفات تأسيس الجمعيات، أو الامتناع عن منح الوصل المؤقت، مما يشكل منعا مقنعا بالقانون، يحرم الإطارات المستقلة من وجودها القانوني، وينضاف إليه قانون التجمعات العمومية الذي يحول الحق الدستوري في التظاهر السلمي إلى فعل مجرم بمبررات واهية.