البوز: الاحتجاج لم يعد خارج النظام السياسي بل أصبح جزءا من ديناميته الداخلية وآلياته في إعادة إنتاج التوازنات
قال أستاذ القانون الدستوري بجامعة جامعة محمد الخامس، محمد البوز، إن كتاب “الدستورية الاحتجاجية والنظام السياسي بالمغرب: صناعة دستور (20 فبراير – 29 يوليوز 2011)” للدكتور محمد مدني، لا يتعامل مع الاحتجاج باعتباره “مجرد حادث اجتماعي على الهامش”، وإنما باعتباره “مدخلا لفهم طبيعة النظام السياسي المغربي وتحولاته وحدود قدرته على التكيف مع التحولات المجتمعية والسياسية”.
واعتبر أن القيمة الأساسية لهذا العمل تكمن في كونه يجعل من الاحتجاج “مؤشرا كاشفا لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع ولمدى قدرة المؤسسات على استيعاب المطالب الاجتماعية وإعادة إنتاج التوازنات”، وذلك خلال مداخلة له ضمن ندوة علمية لقراءة ومناقشة الكتاب نظمتها شعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال مساء الجمعة 15 ماي 2026 بالرباط.
وأوضح البوز أن الكتاب يقدم، في تقديره، “إضافة نوعية” في حقل الدراسات السياسية والدستورية لأنه يقرأ الاحتجاج من زاوية مختلفة، إذ “لا يظهر كموقع هامشي خارج النسق السياسي وإنما كجزء من فهم طبيعة النظام السياسي المغربي”، مضيفا أن المؤلف ينطلق من فكرة “الدستورية الاحتجاجية” لفهم انتقال الدولة من “التعامل الأمني الصرف مع الاحتجاج إلى محاولة تأطيره وإدارته داخل منطق دستوري ومؤسساتي وقانوني”، عبر “توسيع نسبي لهامش الحقوق والحريات وآليات الوساطة والحوار وإدماج جزء من المطالب الاجتماعية والسياسية ضمن خطاب الإصلاح والمؤسسات”.
واعتبر أن هذا التحول يعكس انتقال الدولة “من منطق الدولة المباشرة إلى منطق أكثر تعقيدا يقوم على الإدارة السياسية والقانونية للتوترات والاحتجاجات الاجتماعية”. وأكد أن أهمية الكتاب تتجلى أيضا في الطريقة التي يتعامل بها مع الدستور، إذ لا ينظر إليه “كنص جامد”، بل باعتباره “فضاء سياسيا تتحرك داخله الدولة والمجتمع معا”، بحيث يصبح الدستور “أداة لتنظيم التوترات الاجتماعية وإعادة بناء التوازنات بين السلطة والاحتجاج”، وهو ما يمنح، بحسبه، “عمقا يتجاوز القراءة القانونية الشكلية”.
“الدولة لا تواجه الاحتجاج فقط بالقمع والقوة المادية وإنما أيضا بالاحتواء والتفاوض وإعادة الإدماج المؤسساتي وتوظيف خطاب الإصلاح والحقوق والحريات”
وأفاد المتدخل أن المقاربة التي يعتمدها الكتاب “تتجاوز القراءة القانونية النصية نحو فهم دينامية الدستور باعتباره مجالا للتفاوض وإعادة إنتاج الشرعية السياسية”، معتبرا أن هذا البعد يجعل العمل متجاوزا للمقاربات التقليدية التي تحصر الدستور في أبعاده التقنية أو القانونية الضيقة.
وشدد البوز على أن إحدى الأفكار الأساسية التي يمكن استخلاصها من الكتاب تتمثل في أن الاحتجاج بالمغرب “لم يعد يوجد فقط خارج النظام السياسي، بل أصبح أيضا جزءا من ديناميته الداخلية وآلياته”، موضحا أن الدولة “لا تواجه الاحتجاج فقط بالقمع والقوة المادية وإنما أيضا بالاحتواء والتفاوض وإعادة الإدماج المؤسساتي وتوظيف خطاب الإصلاح والحقوق والحريات”، وهو ما يجعل الاحتجاج يتحول “من مجرد تعبير عن الرفض إلى عنصر يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع وفي تعديل أساليب الحكم والتدبير السياسي”.
وأضاف أستاذ القانون الدستوري أن العمل الذي أنجزه محمد مدني يسمح بفهم التحولات التي عرفتها الدولة المغربية خلال العقود الأخيرة، حيث انتقلت، حسب تعبيره، “من منطق الضبط المباشر إلى منطق أكثر مرونة يقوم على إدارة الاحتجاج واستيعابه وتفكيك مخاطره الاجتماعية الآنية أو المحتملة”، وهو ما يفسر، في تقديره، “قدرة النظام السياسي المغربي على الحفاظ على قدر من الاستقرار رغم تعدد الأزمات والتوترات الاجتماعية والسياسية”.
وأوضح أن هذه المرونة “تفسر إلى حد بعيد قدرة النظام السياسي على الحفاظ على قدر من الاستمرارية رغم تعدد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية”، مضيفا أن النقاش يبقى مفتوحا بين من يتحدث عن “الاستقرار السياسي” ومن يعتبر الأمر “ركودا سياسيا”.
وأشار البوز إلى أن الكتاب يبرز كيف استطاعت الدولة المغربية “تطوير آليات جديدة للتكيف مع التحولات الداخلية والخارجية دون الدخول في قطيعة جذرية مع بنيتها التقليدية”، معتبرا أن هذا البعد يجعل الكتاب مندرجا ضمن الأدبيات المغربية التي اشتغلت على سؤال الدولة والسلطة بالمغرب.
وفي هذا السياق، ربط العمل بعدد من الدراسات الفكرية والسياسية والسوسيولوجية التي تناولت الدولة المغربية، مشيرا إلى أن الكتاب لا يمكن فصله عن أعمال محمد مدني السابقة، وخاصة أطروحته حول “السيرورة السياسية والسيرورة الاجتماعية مساهمة في فهم نظام غير ديمقراطي”، كما لا يمكن فصله، بحسبه، عن أعمال مفكرين وباحثين مثل عبد الله حمودي وجون واتربوري وريمي لوفو، الذين أبرزوا “قدرة النظام المغربي على إعادة إنتاج توازناته واستيعاب التوترات الاجتماعية من خلال آليات معقدة تجمع بين الشرعية التقليدية والتحديث المؤسساتي والتدبير البراغماتي”.
واستدرك المتدخل موضحا أنه عندما تحدث عن “التحديث السياسي” فإنه يقصد به “التحديث الإجرائي والتدبيري والإصلاحي”، وليس “الحداثة السياسية” بالمعنى المرتبط بوجود “تحول عميق في طبيعة السلطة والعلاقات السياسية والقيم المؤسسة للنظام السياسي”، مضيفا أن هذا السؤال “لا يزال مطروحا إلى الآن لفهم طبيعة هذا التحول وحدوده، وما إذا كان الأمر يتعلق بحقيقة أم بوهم، وما هي آليات قياسه”.
“بعد أحداث 16 ماي 2003 دخل المغرب في مرحلة “البنعلية”، التي تعني الاستثمار في الاقتصاد والمشاريع الكبرى مع اعتبار أن المدخل السياسي مغلق أو تم تجاوزه”.
وأكد البوز أن أهمية أعمال محمد مدني، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، تكمن أيضا في كونها “تزاوج بين القانون الدستوري والعلم السياسي والسوسيولوجيا السياسية”، بما يجعلها “تتجاوز التحليل التقني للنصوص نحو فهم واقعي لعلاقة الدولة بالمجتمع ولأزمة الوسائط السياسية التقليدية”، سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية أو النقابات أو باقي مؤسسات التمثيل.
وتوقف المتحدث مطولا عند سؤال الإصلاح السياسي والدستوري وحدوده، معتبرا أن الكتاب يطرح “سؤالا جوهريا وعميقا” يتعلق بما إذا كانت الإصلاحات السياسية والدستورية بالمغرب “تؤدي فعلا إلى توسيع المشاركة السياسية وتعزيز الحقوق والحريات وربط السلطة بالمحاسبة”، موضحا أن المقصود بربط السلطة بالمحاسبة ليس “المعنى التدبيري أو التقني” المرتبط بالمجالس الرقابية والمؤسسات الإدارية، بل “المعنى السياسي المتعلق بالمسؤولية السياسية”.
وفي هذا السياق، قدم البوز قراءة تاريخية لمسار الإصلاحات الدستورية بالمغرب، معتبرا أن أغلب الدساتير المغربية ارتبطت بسياقات الأزمات والتوترات الداخلية أو الخارجية. وقال إن دستور 1970 “لا يمكن عزله عن حالة الاستثناء”، كما أن دستور 1972 “لا يمكن عزله عن المحاولات الانقلابية”، بينما جاء دستور 1992 في سياق “سقوط حائط برلين وارتفاع الخطاب حول الديمقراطية وحقوق الإنسان”، معتبرا أن أبرز متغير حمله ذلك الدستور هو التنصيص في الديباجة على “تشبث المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا”.
وأضاف أن دستور 1996 جاء بدوره في سياق خطاب “السكتة القلبية”، بينما ارتبطت إصلاحات نهاية التسعينيات بمحاولات إدماج المعارضة في المؤسسات. وأوضح أن طريقة هندسة دستور 1996، وخاصة الاختصاصات التي منحت لمجلس المستشارين وآليات الرقابة، تعكس استمرار منطق “التدبير المرتبط بالسياق السياسي العام”.
كما شدد على أن دستور 2011 “لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي وسياق حركة 20 فبراير”، موضحا أن المبادرات التي تم الإعلان عنها قبل ذلك التاريخ “كانت قائمة لكنها ظلت متأخرة”.
وأشار البوز إلى أن الملك محمد السادس كان قد تحدث منذ خطاب العرش الأول عن الفصل 19 كاملا، كما وصف النظام سنة 2004 بـ”الملكية التنفيذية”، مضيفا أنه بعد أحداث 16 ماي 2003 دخل المغرب، حسب تعبيره، في مرحلة “البنعلية”، التي شرحها باعتبارها “استثمارا في الاقتصاد والمشاريع الكبرى مع اعتبار أن المدخل السياسي مغلق أو تم تجاوزه”.
وأضاف أن الاستثناءين الوحيدين اللذين حملا إمكانية إصلاح دستوري قبل 2011 تمثلا، بحسبه، في مشروع الحكم الذاتي سنة 2007 ومشروع الجهوية، باعتبار أن “الجهوية المتقدمة كانت يمكن أن تتضمن إمكانيات لوجود تعديل دستوري”.
وشدد المتحدث على أن أهمية السؤال الذي يطرحه الكتاب تكمن في كونه يفتح نقاشا حول “العلاقة بين الإصلاح والاستقرار، وبين التحول الديمقراطي ومنطق المحافظة على استمرارية الدولة”، مستحضرا في هذا السياق التمييز الذي يقيمه المفكر الإيطالي مارسيلو بريلو بين “الدستور الذي يعتقد واضعوه أنهم كتبوه” و”الدستور الذي تؤكده الواقعية أو تختبره الممارسة”.
وأضاف أن هذا النقاش يعيد إلى الواجهة سؤال الملكية البرلمانية في ضوء تنزيل دستور 2011، مستحضرا في هذا الصدد ما ورد في أحد كتب محمد مدني، حين تحدث عن الذين “فرحوا وتطلعوا إلى أن دستور 2011 يؤسس لملكية برلمانية، قبل أن يصطدموا أثناء تنزيل الدستور بعودة الملكية التنفيذية إلى التعبير عن حضورها القوي”.
وفي ختام مداخلته، أكد البوز أن القيمة الكبرى للكتاب تكمن في كونه “يرفض الأحكام الاختزالية”، موضحا أنه “لا يقدم الاحتجاج باعتباره مجرد فوضى، ولا الدولة باعتبارها مجرد جهاز للهيمنة”، وإنما يحاول “فهم التعقيد الذي يحكم العلاقة بين الشرعية الدستورية والشرعية الاجتماعية، وبين الدولة والمجتمع”.