البيت المغربي

​عجبتُ لحال ثقافتنا التي تجعلنا أحياناً، ونحن نفكر بمنطق الوعي والحداثة، نضيق بإكراهاتها التقليدية ونراها نوعاً من الامتثال القسري، حتى لَيجِدُ المرء نفسه في تصادم مع أنماطها الراسخة. غير أن هذا الصدام المعرفي غالباً ما يتلاشى حين نضع هذه التقاليد في ميزان المقارنة مع ثقافة “الآخر”.

​أتذكر أحد الأصدقاء الإسبان، إذ استغرب مظاهرَ الكرم عندنا نحن المغاربة، وخصوصاً ما يرتبط بالمعمار المنزلي الذي لا تكاد تجد بداخله إلا غرفةً خاصة بالضيوف، جُهِّزت وفق ما هو متعارف عليه بين الأسر، ووفق تقليد يكاد يكون نمطياً إلى حد بعيد، حيث لا يُسمح للأطفال بدخول هذه الغرفة أو الجلوس فيها ما دامت قد خُصصت للضيوف. ولطالما تلقينا في صغرنا أقسى أنواع التوبيخ والعقاب جراء لعبنا في هذه الغرفة أو جلوسنا فيها دون استئذان، وما زالت ذاكرتي تحتفظ بهذا الأرشيف.

وقد استغرب صديقنا كثيراً غرفة الضيوف وكثرة الأريكات في المنزل، تلك التي خُصصت للجلوس والنوم في الوقت نفسه، وما يُعرف بـ«الكَاطْرِي» الذي لا يكاد يغادر منازلنا بما يرافقه من ركنيات خشبية ووسائد تتناغم معه. فمنازلنا ترحب بالجميع، وكما يقال في المثل المغربي: «الله يْرحَمْ مَنْ جَا وجَابْ…».

ففي مجتمعاتهم لا تكاد توجد ثقافة «الكَاطْرِيَاتْ»؛ لأن ثقافتهم تقوم على «الكراسي والكانابيهات» أو «الفوتويات». فكل زائر يأتي إلى منازلهم لا يجد أريكة النوم بوسائدها كما هو متعارف عليه عندنا في ثقافة «الكَاطْرِيَاتْ»؛ إنها مغربية الصنع، أو بتعبير أدق: علامة ثقافية مسجلة.

ولا شك أننا نجد بوناً شاسعاً بيننا وبينهم؛ فلا وجود هناك لغرفة الضيوف، بل تجد غرفة نوم الأب والأم وغرف نوم الأطفال. وكل زائر عندهم له وقت محدد، فهم لا يعرفون ثقافة الزيارات الفجائية أو ما يُصطلح عليه عندنا بسياسة «هَا حْنَا جِينَا…»، أو ما يمكن تسميته بسياسة «الإنزال»، لأن بعض زوارنا يأتون، كما يقول المثل المصري: «زَيِّ القَدَرِ لْمِسْتَعْجِلْ».

إن زوارهم يطبقون سياسةً نحن الذين صغناها نظرياً، لكننا لم نحسن تفعيلها عملياً؛ إنها سياسة: «الله يْرحَمْ مَنْ زَارْ وخَفَّفْ…». إنهم يراعون ظروف مزوريهم ومشاغلهم، وبعد انتهاء الزيارة يتوجهون إلى بيوتهم أو إلى الفندق، فهم أصحاب «ثقافة الأوطيلات» التي تكاد تكون غائبة عندنا.

​لقد عُرف العرب منذ القدم بكرم الضيافة حتى قبل مجيء الإسلام، فالضيف يحظى لديهم بمكانة رفيعة واحترام كبير، غير أن مقام الضيافة لا ينبغي أن يتجاوز ثلاثة أيام، كما ورد في السنة النبوية. لذلك نقدم للضيف أفضل ما لدينا من طعام، ونُنزله في أحسن غرفة في المنزل، ونعامله معاملة الأمراء اقتداءً بأخلاق الإسلام وقيمه.​

وفي النهاية قلت لصديقنا الإسباني: إذا أردنا أن نقلدكم في المعمار المنزلي، فإن ضيوفنا لن يجدوا مكاناً ينامون فيه، وبالتالي سنكون قد طبقنا ثقافة «الكَانَابِيَاتْ»، لكننا سنقع في مشكل آخر، وهو: «فَرْشُولْنَا نْعْسُو فْ الأَرْضْ..!». وسنكون في أمس الحاجة إلى الأغطية والزرابي حتى نُهيئ أماكن نوم لضيوفنا، لأنهم لا يعرفون «ثقافة الأوطيلات» التي تجيدون تفعيلها وتطبيقها أنتم الأجانب.

​ضحك صديقنا كثيراً، وهو يؤكد لي أن الشرق شرق والغرب غرب، وأنه لا سبيل إلى تقليدهم في «ثقافة الكَانَابِيَاتْ» و«الأوطيلات»، معتبراً أن «ثقافة الكَاطْرِيَاتْ» وسام فخر يعكس عبقرية اجتماعية في الاحتفاء بالآخر.

​وأمام هذه الشهادة الأجنبية المنصفة، يبدو أننا سنظل متمسكين بأصالتنا المعمارية، ليس فقط وفاءً للتقاليد، بل أيضاً تجنباً لسيناريوهات بديلة لا تبدو حداثية بما يكفي. ولعل في هذه المفارقة ما يثبت أن أثاثنا المنزلي ليس مجرد هندسة للمكان، بل هو هندسة للعلاقات الإنسانية، ترفض أن تتحول البيوت إلى جزر معزولة، وتصر على أن يظل الكرم السلطة الثقافية الأقوى التي نمتثل لها طواعيةً واعتزازاً.

​وهكذا يظل البيت المغربي، بأثاثه وعاداته، وفياً لروح الجماعة والامتداد، مستعصياً على بعض أشكال الفردانية التي طبعت المجتمعات الغربية الحديثة؛ فخلف كل «صالون» أو «كَاطْرِي» تختبئ فلسفة وجودية كاملة تعلي من شأن الإنسان، وتفتح الباب على مصراعيه لدفء اللقاء، وإن تطلب الأمر شيئاً من التضحية بالخصوصية.

The post البيت المغربي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress