التضخم المستورد يضغط على اللبنانيين… والأسعار إلى مزيد من الارتفاع؟
إلى الحرب التي يعيشها اللبنانيون منذ أشهر، يواجهون حربا أشدّ فتكا تكاد تقضي على ما تبقى من مدّخراتهم. فقد تحول القلق من اتساع المواجهة في الخليج إلى عبء مالي مباشر يطال كل منزل ومؤسسة ومتجر صغير، بفعل الموجة الجديدة من التضخم التي جاءت هذه المرة معطوفة على أسعار النفط والشحن والتأمين البحري.
المضيق يشعل الأسواق
لم تقتصر تداعيات الحرب على ساحات المواجهة العسكرية، بل أعادت رسم حركة التجارة والطاقة في المنطقة بأكملها. وبدخول الخليج في قلب التصعيد، تحول مضيق هرمز إلى نقطة ضغط على الاقتصاد العالمي، خصوصا أن ما بين 20 و21 مليون برميل نفط يمر عبره يوميا، أي نحو خمس تجارة النفط البحرية في العالم. وخلال أسابيع، ارتفع خام برنت من متوسط راوح بين 74 و78 دولارا مطلع العام إلى مستويات قاربت 100 دولار للبرميل، فيما تحدثت تقديرات دولية عن احتمال بلوغه 120 إلى 130 دولارا إذا استمر التعطيل أو توسعت العمليات العسكرية.
الكهرباء والمحروقات الأكثر تأثرا
تلقى لبنان الصدمة بقوة. فالبلاد تستورد أكثر من 80% من حاجاتها الأساسية، فيما بلغت فاتورة الاستيراد عام 2025 نحو 21 مليار دولار، بينها 23% مخصصة للمحروقات.
الانعكاس الأول ظهر في قطاع الطاقة. فبين شباط وأيار 2026 ارتفع سعر صفيحة المازوت في لبنان بنسب راوحت بين 38 و52%، بينما ارتفع البنزين بما بين 27 و35%. وبما أن المولدات الخاصة توفر عمليا القسم الأكبر من الكهرباء، فقد ارتفعت تعرفة الكيلوواط سريعا، لتسجل زيادة راوحت بين 30 و45%. وفي بعض المناطق تجاوزت فاتورة الاشتراك المنزلي 250 دولارا شهريا، فيما باتت كلفة الكهرباء تستنزف جزءا أساسيا من إيرادات المتاجر والمؤسسات الصغيرة.

الخبير والكاتب في الاقتصاد السياسي الدكتور بيار خوري يرى أن "الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بارتفاع أسعار النفط عالميا، بل بطبيعة الاقتصاد اللبناني القائم على الاستيراد الكامل تقريبا، ما يجعل أيّ اضطراب خارجي ينتقل بسرعة إلى الداخل، في غياب أيّ أدوات حماية فعلية أو بدائل إنتاجية محلية تخفف الصدمة".
شركات التأمين البحري رفعت بدورها بدلات المخاطر على السفن المتجهة إلى شرق المتوسط والخليج، فيما أعادت شركات الشحن تسعير خطوطها التجارية. وتشير تقديرات قطاع النقل البحري إلى أن كلفة بعض الرحلات ارتفعت 40 إلى 70% في ذروة التصعيد، تزامنا مع تأخير عمليات التسليم نتيجة تبديل المسارات والإجراءات الأمنية الإضافية.
هذه الزيادات انتقلت سريعا إلى الداخل اللبناني. ويشير خوري إلى أن "الربع الثاني من عام 2026 شهد ارتفاع أجور النقل المشترك 20 إلى 35%، وازدادت كلفة نقل البضائع من المرافئ إلى الأسواق المحلية على نحو ملحوظ".

التضخم يلتهم القدرة الشرائية
الأثر الأكثر قسوة ظهر في الغذاء. فوفق خوري "لبنان لا ينتج سوى 10 إلى 12% من حاجته إلى القمح، ويعتمد في شكل شبه كامل على استيراد الزيوت والحبوب والأعلاف والمواد الأساسية. وبحلول منتصف 2026 بلغ التضخم الغذائي 20 إلى 25% على أساس سنوي، فيما ارتفعت أسعار الزيوت النباتية بنحو 30%، واللحوم والدواجن 25 إلى 40%، والألبان والأجبان نحو 20%، وسجل الخبز والحبوب زيادات راوحت بين 15 و25%".
ويوضح أن "المشكلة لا تكمن فقط في تأثر لبنان بالحرب، بل في الطريقة التي تعمل بها السوق الداخلية، حيث تنتقل الارتفاعات العالمية فورا إلى المستهلك، بينما تتأخر الانخفاضات أو تتآكل في حلقات الاستيراد والتوزيع والاحتكار".
هذه التطورات لم يواكبها تطور في الأجور، ما أدى إلى تراجع إضافي في القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة.
ومع أن معظم دول المنطقة تأثرت بارتفاع أسعار الطاقة والشحن، بقي التضخم في لبنان أعلى بكثير. ففي حين راوح في دول الخليج بين 2 و4%، وبقي قرب 3% في منطقة اليورو، سجل لبنان مستويات قاربت 30% في بعض أشهر 2026 عند احتساب الغذاء والطاقة والنقل. ومردّ ذلك، وفق تقديرات اقتصادية، إلى أن ما بين 40 و55% من الزيادات الحالية ترتبط مباشرة بالحرب والطاقة وسلاسل الإمداد، بينما يرتبط الجزء المتبقي بعوامل داخلية تشمل الاحتكار وضعف الرقابة والتسعير المبالغ فيه وطبيعة الاقتصاد الدولاري.
وبحسب خوري، "إذا استمرت الحرب وتعطلت الملاحة في الخليج لمدة أطول، فإن تجاوز النفط عتبة 120 دولارا للبرميل قد يدفع لبنان إلى موجة تضخم جديدة تتجاوز 30% سنويا، مع ارتفاع إضافي في كلفة المولدات والمحروقات والغذاء. أما تراجع التصعيد فلا يعني بالضرورة انخفاضا سريعا للأسعار، إذ اعتادت السوق اللبنانية نقل الارتفاعات بسرعة، فيما تتعامل مع التراجعات ببطء شديد".