الجراح التي أصابت التربية من الحرب تحتاج لعلاج استثنائي في لبنان وسوريا

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الويلات التي سبّبتها الحرب على لبنان منذ 7 أسابيع غطَّت على عذابات التلامذة من النازحين السوريين الذين عادوا إلى بلدهم، كما على شقاء عدد كبير من اللبنانيين الذي اضطرّوا لمغادرة مدارسهم والالتحاق بمدارس جديدة. وقد حجبت مآسي الناس التي سبّبها العدوان الإسرائيلي رؤية المظالم والعذابات التي عاشها القطاع التربوي بطبقة سميكة من غبار الحيرة والارتباك الرمادي القاتم.

 

قد يتساءل البعض عن جدوى طرح مثل هذا العنوان اليوم، بينما هناك أشلاء لضحايا ما زالت تحت ركام الدمار، وما زالت تداعيات الحرب الخبيثة قائمة نزوحاً وتشرّداً وآلاماً يتحمّلها الجرحى والمصابون، والوضع السياسي قاب قوسين أو أدنى من مسافة الانفلات. والاختناق الاقتصادي يدفع غالبية من الناس إلى حافة "الكفر" من الضيقة.

 

في حساباتٍ بسيطة يتبيّن أن المتأثرين من السوريين بالحالة الاستثنائية التي حصلت لا يقل عددهم عن 200 ألف طالب، بينما عدد كبير من أقرانهم من اللبنانيين تأثروا بالصعوبات أيضاً. وكل هؤلاء اضطرتهم الحرب للانتقال الى أماكن تحصيل علمي مدرسي وجامعي جديدة في سوريا، أو في دول أخرى.

الطلاب السوريون

ففي حالة الطلاب السوريين الذين عادوا إلى بلادهم من لبنان منذ بدء الحرب، قسراً، دون أن يتمكنوا من اصطحاب أية مستندات من مدارسهم أو جامعاتهم، يمكن ذكر بعض المعاناة التي يقاسونها، على سبيل المثال لا الحصر: تطلب إدارات المؤسسات التربوية المعنية في سوريا إفادات مصدَّقة من الجهات اللبنانية، قبل أن تسمح بتسجيلهم لديها لمتابعة العام الدراسي.

 

هؤلاء هربوا من الحرب، وبعضهم ضُربت مدارسهم، ولا دوام إدارياً فيها – خصوصاً التي كانت تعمل بعد الظهر - وبالتالي لا يستطيعون الحصول على هذه الإفادات. وإذا حصلوا على بعضها، يصعب عليهم تصديقها من غالبية الدوائر المختلفة والمتنوّعة، حيث شروط وزارة التربية السورية العادية تفرض توقيع الإفادات من المدرسة الأساسية، ومن ثمَّ من دائرة التربية في القضاء ومن مديريات المحافظ ومن وزارة التربية ومن وزارة الخارجية اللبنانية، ومن السفارة السورية في بيروت، بينما إجراءات دخول السوريين إلى لبنان أصبحت معقدة جداً بعد نجاح الثورة السورية وانتفاء مبرِّر النزوح، وهذه الإجراءات تنطبق على الطلاب السوريين أو أولياء أمورهم اليوم. فكيف يستطيع هؤلاء الحصول على شهاداتهم، أو الإفادات في هذه الحالة؟ وهل من المنطق والحق حرمانهم من متابعة عامهم الدراسي؟

الطلاب اللبنانيون

أما الطلاب اللبنانيون الذين غادروا إلى خارج البلاد إبان الحرب، وهرباً من ويلاتها، وبينهم عدد كبير ذهبوا إلى سوريا بالتحديد، نظراً للترابط العائلي القائم بين الشرائح الاجتماعية في البلدين الشقيقين، ولأن بعض اللبنانيين يملكون بالفعل منازل في سوريا منذ أيام الحروب اللبنانية المتتالية، فهؤلاء أيضاً صعَّبت عليهم سلطات البلدين متابعة تحصيلهم العلمي، لأسباب بيروقراطية أو أكاديمية مختلفة، ومغادرتهم السريعة للبنان لم تسمح لهم باصطحاب المستندات الضرورية.

 

السلطات التربوية في سوريا وفي لبنان، مطالبة بوضع اليد على الجرح، ومعالجة هذا النزف المؤلِم الذي يتوجع منه مئات الآلاف من السوريين واللبنانيين. وقد تكون وسيلة تخفيف الآلام من خلال التوقيع على "بروتوكول تربوي" استثنائي بين البلدين، يسمح بتخفيف معاناة المنكوبين من الإجراءات الإدارية المفروضة، ويعتمد صيغة جديدة مؤقتة، تسمح للطلاب بالحصول على الإفادات بطرُق سهلة، أو تجاوز بعضها (من دون الإخلال بالمعايير العلمية) ليتمكن هؤلاء من متابعة التحصيل في مؤسسات تعليمية جديدة، أو السماح لهم بالعودة إلى لبنان لإكمال العام الدراسي. والتعاون القائم بين الحكومة اللبنانية والإدارة السورية الجديدة يُسهِّل الوصول إلى تسوية عادلة لهذا الملف الشائك. ودون هذا الإجراء تكون الحكومتان في وضعية تجاوز مبادئ حقوق الإنسان، ولا سيما مندرجات العهد الدولي للحقوق التربوية والثقافية لعام 1966 وملحقاته، وهي تفرض احترام حق الإنسان بالتحصيل العلمي من دون أية عوائق أمنية أو إدارية.

 

ولأن الشيء بالشيء يُذكر؛ يمكن الإشارة إلى المظالم الكبيرة التي تُصيب طلاباً سوريين وطلاباً لبنانيين كانوا قد حصلوا على شهادات من جامعات في كلا البلدين في فترة حكم النظام البائد، وغالبية من هؤلاء يلاقون عرقلة لأسباب سياسية، وتتهمهم السلطات بالحصول على هذه الشهادات عن طريق مفاضلات حزبية. فالعدالة الانتقالية تفرض الحفاظ على الحقوق والممتلكات الشخصية – المادية والفكرية – من دون ظلم، ومن دون اقتصاص له خلفيات سياسية أو طائفية أو حزبية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية