الجنوب وحيداً يدفع ثمن الانتظار...
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} حسن درغام (*)
“They’ve taken too long to negotiate a deal.”
لم تكن هذه العبارة التي أطلقها دونالد ترامب أخيراً استثناءً في خطابه السياسي. فمن يتابع تصريحاته وتغريداته يلاحظ حضوراً دائماً لمفردات الوقت: Too Late، وNo Time، وHurry Up، وThey’ve Taken Too Long. وفي الأسابيع الأخيرة كرر عشرات المرات أن نهاية الحرب تقترب، وأن القرار سيُتخذ قريباً، وأن الوقت ينفد.
وكأن الرجل الذي جاء من عالم المال والأعمال ينظر إلى الزمن بوصفه مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن المال أو القوة. ومن هنا يبدو إشراك الوقت في معظم تصريحاته وتغريداته جزءاً من معادلة القوة التي يؤمن بها. فأميركا، في نظره، لا تتنافس مع خصومها، ولا سيما الصين، على الثروات وإمدادات النفط والأسواق والتكنولوجيا فحسب، بل على السباق مع الزمن وتحويله إلى نفوذ ومكاسب.
في المقابل، قامت الاستراتيجية الإيرانية لعقود على رهان الصبر الاستراتيجي، المرتبط ببنية عقائدية تمجّد الصبر والتضحية وتحمل الأكلاف الطويلة. وهو ما يفسر قدرة النظام على التكيف مع سنوات من العقوبات والعزلة والضغوط. فطهران لا تنظر إلى الوقت كمورد يجب استثماره سريعاً لإخراج البلاد من أزماتها الاقتصادية، بل كأداة لاستنزاف الخصوم أملاً في تبدل موازين القوى من حولها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر القائم اليوم بين واشنطن وطهران، بوصفه صداماً بين سياسة ترامب الباحثة عن السرعة في النتائج السياسية والاقتصادية والعسكرية، ونظام ولاية الفقيه الذي يقيس الوقت على ساعة الانتظار الأيديولوجية.
ولعل أحدث مواقف ترامب تجاه إيران تقدم المثال الأوضح على ذلك. فبعد أشهر من التهديدات والمهل المتلاحقة، عاد الرئيس الأميركي إلى سياسة «الضغوط القصوى»، ملوحاً بضربات قاسية ومشيراً إلى جزيرة خرج التي يمر عبرها القسم الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. وما شهدناه خلال الساعات الأخيرة يكاد يكون نموذجاً مصغراً عن فلسفته السياسية؛ ففي أقل من يوم واحد انتقل من التهديد بضرب إيران «بقوة شديدة الليلة» إلى الحديث عن اتفاق وشيك، ثم إلى إعلان الوصول إلى «مذكرة تفاهم قوية للغاية». لم يتغير الهدف، بل تبدلت الوسيلة. فالوقت بالنسبة إليه ليس إطاراً للأحداث، بل أحد أسلحته الأساسية. يضغط بالمهل، يفاوض تحت وطأة الساعة، ويرفع منسوب التهديد إلى الحد الأقصى أملاً في انتزاع اتفاق عند اللحظة الأخيرة. وكأن الحرب بالنسبة إليه ليست الغاية النهائية، بل إحدى أدوات التفاوض للوصول إلى الصفقة التي يريدها.
وقد عبّر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث عن هذا المنطق بوضوح حين قال: «إذا اضطررنا إلى التفاوض بالقنابل فسنتفاوض بالقنابل». وهي عبارة تختصر إلى حد بعيد فلسفة إدارة ترامب القائمة على استخدام التصعيد العسكري لتحسين شروط التفاوض لا كبديل عنه.
ولا يقتصر هذا التباين على السياسة وحدها. فالعالم كله يشهد اليوم ثورة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وشركات مثل SpaceX وNVIDIA وOpenAI وTSMC تحولت خلال سنوات قليلة إلى التعبير الأوضح عن ثورة تكنولوجية تسابق الزمن وتعيد تعريف عناصر القوة في العالم. إنه عصر تختصر فيه المسافات بين الفكرة والتنفيذ، وتتحول فيه إدارة الوقت والمعلومات والتكنولوجيا إلى أحد أهم مصادر النفوذ.
وفي هذا المشهد المعقد يقف لبنان عند مفترق حساس.
فالبلاد التي دفعت أثماناً باهظة من الحروب والانهيارات تجد نفسها اليوم أمام خيارين متناقضين: إما استثمار اللحظة السياسية المتاحة للخروج من منطق الحروب المفتوحة، وإما انتظار تحولات إقليمية قد تطول أشهراً وربما سنوات.
ومن هنا تكتسب مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أهمية خاصة. فالرجل يتمسك بخيار التفاوض ويرى أن المماطلة لا تخدم أحداً، وأن مصلحة لبنان تقتضي استعادة الدولة لدورها الكامل والانطلاق من منطق المصلحة الوطنية لا منطق انتظار ما ستؤول إليه صراعات الآخرين.
ويخطئ من يعتقد أن لبنان يدخل المفاوضات بلا أوراق قوة. صحيح أن «حزب الله» يرفض مسار واشنطن والتسليم به، وصحيح أيضاً أن إسرائيل تستمر في محاولة فرض وقائع عسكرية على الأرض، إلا أن العلاقات بين الدول لا تُقاس بالقوة العسكرية وحدها. فهناك أيضاً قوة الشرعية في مواجهة شرعية القوة.
والدولة اللبنانية، بما تمثله من اعتراف عربي ودولي وما تحظى به من دعم لمؤسساتها الدستورية وجيشها ورئاستها، تملك ورقة تفاوضية أساسية لا يمكن الاستهانة بها أو القفز فوقها. وهي دون شك الجهة الوحيدة القادرة على توقيع اتفاق ينهي الحرب مع إسرائيل عندما تدق الساعة الإقليمية.
ويبدو أن رهان الدولة اللبنانية يقترب من تحقيق أهدافه بعد تصريحات ترامب الأخيرة بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، ما يعزز فرص المسار التفاوضي في واشنطن ويضع الملف اللبناني على سكة الخروج من المحرقة المستمرة في الجنوب.
وتأتي أهمية هذا الخيار الذي سعى إليه الرئيس جوزيف عون في توقيت لا يرتبط فقط بالمفاوضات الجارية، بل أيضاً بحقيقة أن المنطقة نفسها تتغير بسرعة غير مسبوقة، وأن على لبنان إعادة تموضعه الإقليمي قبل فوات الأوان.
لقد أصبح واضحاً أن الشرق الأوسط مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض لم يعد هو نفسه. فتوازنات المنطقة التي أنتجت تحرير عام 2000 وحرب تموز 2006 تتغير اليوم بصورة جذرية. وما حلّ بالجنوب منذ حرب الإسناد من احتلال وموت وتجريف ودمار ونزوح لهو خير دليل على حجم التغيير الذي حدث نتيجة التحولات الكبرى في ميزان القوى الإقليمي، وما سيتبعها من تبدل في المشهد الجيوسياسي للمنطقة.
فالزلزال الذي أصاب الشرق الأوسط منذ «طوفان الأقصى»، مروراً بسقوط نظام الأسد وإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وضع الجميع أمام واقع جديد يصعب تجاهله. ومع هذه التحولات، يبدو الرهان على عودة الأمور إلى ما كانت عليه أقرب إلى الحنين السياسي منه إلى القراءة الواقعية للمشهد.
هنا تبدو خيارات الدولة اللبنانية القائمة على الشرعية والسيادة وحصرية السلاح والسعي إلى تثبيت مصالح لبنان عبر التفاوض تعبيراً عن قراءة لهذه التحولات أكثر مما هي مجرد استجابة لضغوط خارجية.
فالسؤال المطروح اليوم لم يعد ماذا حقق السلاح سابقاً، بل ما إذا كان ما يزال قادراً على أداء وظيفته في حماية الجنوب وأبنائه بعد كل ما حصل ويحصل من تغيير جذري في ميزان القوى.
وإلى جانب الضغوط الأميركية وحسابات طهران، لا يمكن تجاهل الجهد الخليجي المتزايد للدفع نحو تسوية تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، ولا سيما الدور القطري الذي عاد ليؤدي وظيفة الوسيط بين الأطراف المتصارعة.
وقد يكون الاتفاق بين واشنطن وطهران أقرب مما يعتقد كثيرون. فإيران دولة كبيرة تملك من الموارد والسكان ما يسمح لها بتحمل الانتظار أشهراً أو سنوات إضافية إذا اقتضت حساباتها ذلك.
أما لبنان، فالسؤال الذي يواجهه مختلف تماماً:
ما هي كلفة الانتظار على ما تبقّى من الجنوب اللبناني؟
ففي الوقت الذي يراهن فيه الأميركيون على ضغط الوقت، ويراهن الإيرانيون على استنزافه، يجد الجنوب نفسه يدفع ثمن الزمن الضائع يوماً بعد يوم.
وهنا تستحضر الذاكرة مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت، حيث يتحول الانتظار نفسه إلى بطل القصة. غير أن الجنوب اللبناني لا ينتظر نهاية حرب أو ولادة اتفاق. وفي الحالتين يبقى هو من يدفع ثمن الوقت الضائع.
ولعل المفارقة أن عبارة ترامب المتكررة: They’ve taken too long، وعبارة الرئيس جوزيف عون: «الإسرائيليون يضيّعون الوقت»، تلتقيان، رغم اختلاف السياقين، عند حقيقة واحدة: أن الوقت قد يكون أحياناً أثمن من السلاح والمال والنفوذ.
قد تملك الدول الكبرى ترف الوقت. وقد تملك القوى الإقليمية القدرة على ربط حساباتها بسنوات طويلة من الصراع والتفاوض. أما لبنان، والجنوب اللبناني تحديداً، فقد استنزفته الحروب والانهيارات إلى حد لم يعد معه الانتظار خياراً.
ولهذا تبدو الدعوة إلى الدولة والسيادة وحصرية القرار الأمني والعسكري أقل ارتباطاً بالشعارات السياسية منها بضرورات البقاء الوطني.
فالدول، كما الأفراد، لا تخسر دائماً لأنها أضعف من خصومها، بل لأنها تسيء أحياناً قراءة اللحظة التاريخية وتقدير نتائجها.
وفي عالم يتغير بهذه السرعة، قد لا يكون السؤال من سيربح الحرب أو من سيوقع الاتفاق، بل من يدرك أولاً أن كلفة الجمود أصبحت أعلى من كلفة القرار.
فالجنوب اللبناني، الذي دفع أثمان الحروب والرهانات الإقليمية لعقود طويلة، لم يعد يملك رفاهية انتظار حرب جديدة أو اتفاق جديد. فبين من يراهن على ضغط الوقت ومن يراهن على استنزافه، يبقى هو وحيداً يدفع ثمن الانتظار …
(*) مهندس معماري وكاتب سياسي
“They’ve taken too long to negotiate a deal.”
لم تكن هذه العبارة التي أطلقها دونالد ترامب أخيراً استثناءً في خطابه السياسي. فمن يتابع تصريحاته وتغريداته يلاحظ حضوراً دائماً لمفردات الوقت: Too Late، وNo Time، وHurry Up، وThey’ve Taken Too Long. وفي الأسابيع الأخيرة كرر عشرات المرات أن نهاية الحرب تقترب، وأن القرار سيُتخذ قريباً، وأن الوقت ينفد.
وكأن الرجل الذي جاء من عالم المال والأعمال ينظر إلى الزمن بوصفه مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن المال أو القوة. ومن هنا يبدو إشراك الوقت في معظم تصريحاته وتغريداته جزءاً من معادلة القوة التي يؤمن بها. فأميركا، في نظره، لا تتنافس مع خصومها، ولا سيما الصين، على الثروات وإمدادات النفط والأسواق والتكنولوجيا فحسب، بل على السباق مع الزمن وتحويله إلى نفوذ ومكاسب.
في المقابل، قامت الاستراتيجية الإيرانية لعقود على رهان الصبر الاستراتيجي، المرتبط ببنية عقائدية تمجّد الصبر والتضحية وتحمل الأكلاف الطويلة. وهو ما يفسر قدرة النظام على التكيف مع سنوات من العقوبات والعزلة والضغوط. فطهران لا تنظر إلى الوقت كمورد يجب استثماره سريعاً لإخراج البلاد من أزماتها الاقتصادية، بل كأداة لاستنزاف الخصوم أملاً في تبدل موازين القوى من حولها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر القائم اليوم بين واشنطن وطهران، بوصفه صداماً بين سياسة ترامب الباحثة عن السرعة في النتائج السياسية والاقتصادية والعسكرية، ونظام ولاية الفقيه الذي يقيس الوقت على ساعة الانتظار الأيديولوجية.
ولعل أحدث مواقف ترامب تجاه إيران تقدم المثال الأوضح على ذلك. فبعد أشهر من التهديدات والمهل المتلاحقة، عاد الرئيس الأميركي إلى سياسة «الضغوط القصوى»، ملوحاً بضربات قاسية ومشيراً إلى جزيرة خرج التي يمر عبرها القسم الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. وما شهدناه خلال الساعات الأخيرة يكاد يكون نموذجاً مصغراً عن فلسفته السياسية؛ ففي أقل من يوم واحد انتقل من التهديد بضرب إيران «بقوة شديدة الليلة» إلى الحديث عن اتفاق وشيك، ثم إلى إعلان الوصول إلى «مذكرة تفاهم قوية للغاية». لم يتغير الهدف، بل تبدلت الوسيلة. فالوقت بالنسبة إليه ليس إطاراً للأحداث، بل أحد أسلحته الأساسية. يضغط بالمهل، يفاوض تحت وطأة الساعة، ويرفع منسوب التهديد إلى الحد الأقصى أملاً في انتزاع اتفاق عند اللحظة الأخيرة. وكأن الحرب بالنسبة إليه ليست الغاية النهائية، بل إحدى أدوات التفاوض للوصول إلى الصفقة التي يريدها.
وقد عبّر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث عن هذا المنطق بوضوح حين قال: «إذا اضطررنا إلى التفاوض بالقنابل فسنتفاوض بالقنابل». وهي عبارة تختصر إلى حد بعيد فلسفة إدارة ترامب القائمة على استخدام التصعيد العسكري لتحسين شروط التفاوض لا كبديل عنه.
ولا يقتصر هذا التباين على السياسة وحدها. فالعالم كله يشهد اليوم ثورة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وشركات مثل SpaceX وNVIDIA وOpenAI وTSMC تحولت خلال سنوات قليلة إلى التعبير الأوضح عن ثورة تكنولوجية تسابق الزمن وتعيد تعريف عناصر القوة في العالم. إنه عصر تختصر فيه المسافات بين الفكرة والتنفيذ، وتتحول فيه إدارة الوقت والمعلومات والتكنولوجيا إلى أحد أهم مصادر النفوذ.
وفي هذا المشهد المعقد يقف لبنان عند مفترق حساس.
فالبلاد التي دفعت أثماناً باهظة من الحروب والانهيارات تجد نفسها اليوم أمام خيارين متناقضين: إما استثمار اللحظة السياسية المتاحة للخروج من منطق الحروب المفتوحة، وإما انتظار تحولات إقليمية قد تطول أشهراً وربما سنوات.
ومن هنا تكتسب مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أهمية خاصة. فالرجل يتمسك بخيار التفاوض ويرى أن المماطلة لا تخدم أحداً، وأن مصلحة لبنان تقتضي استعادة الدولة لدورها الكامل والانطلاق من منطق المصلحة الوطنية لا منطق انتظار ما ستؤول إليه صراعات الآخرين.
ويخطئ من يعتقد أن لبنان يدخل المفاوضات بلا أوراق قوة. صحيح أن «حزب الله» يرفض مسار واشنطن والتسليم به، وصحيح أيضاً أن إسرائيل تستمر في محاولة فرض وقائع عسكرية على الأرض، إلا أن العلاقات بين الدول لا تُقاس بالقوة العسكرية وحدها. فهناك أيضاً قوة الشرعية في مواجهة شرعية القوة.
والدولة اللبنانية، بما تمثله من اعتراف عربي ودولي وما تحظى به من دعم لمؤسساتها الدستورية وجيشها ورئاستها، تملك ورقة تفاوضية أساسية لا يمكن الاستهانة بها أو القفز فوقها. وهي دون شك الجهة الوحيدة القادرة على توقيع اتفاق ينهي الحرب مع إسرائيل عندما تدق الساعة الإقليمية.
ويبدو أن رهان الدولة اللبنانية يقترب من تحقيق أهدافه بعد تصريحات ترامب الأخيرة بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، ما يعزز فرص المسار التفاوضي في واشنطن ويضع الملف اللبناني على سكة الخروج من المحرقة المستمرة في الجنوب.
وتأتي أهمية هذا الخيار الذي سعى إليه الرئيس جوزيف عون في توقيت لا يرتبط فقط بالمفاوضات الجارية، بل أيضاً بحقيقة أن المنطقة نفسها تتغير بسرعة غير مسبوقة، وأن على لبنان إعادة تموضعه الإقليمي قبل فوات الأوان.
لقد أصبح واضحاً أن الشرق الأوسط مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض لم يعد هو نفسه. فتوازنات المنطقة التي أنتجت تحرير عام 2000 وحرب تموز 2006 تتغير اليوم بصورة جذرية. وما حلّ بالجنوب منذ حرب الإسناد من احتلال وموت وتجريف ودمار ونزوح لهو خير دليل على حجم التغيير الذي حدث نتيجة التحولات الكبرى في ميزان القوى الإقليمي، وما سيتبعها من تبدل في المشهد الجيوسياسي للمنطقة.
فالزلزال الذي أصاب الشرق الأوسط منذ «طوفان الأقصى»، مروراً بسقوط نظام الأسد وإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وضع الجميع أمام واقع جديد يصعب تجاهله. ومع هذه التحولات، يبدو الرهان على عودة الأمور إلى ما كانت عليه أقرب إلى الحنين السياسي منه إلى القراءة الواقعية للمشهد.
هنا تبدو خيارات الدولة اللبنانية القائمة على الشرعية والسيادة وحصرية السلاح والسعي إلى تثبيت مصالح لبنان عبر التفاوض تعبيراً عن قراءة لهذه التحولات أكثر مما هي مجرد استجابة لضغوط خارجية.
فالسؤال المطروح اليوم لم يعد ماذا حقق السلاح سابقاً، بل ما إذا كان ما يزال قادراً على أداء وظيفته في حماية الجنوب وأبنائه بعد كل ما حصل ويحصل من تغيير جذري في ميزان القوى.
وإلى جانب الضغوط الأميركية وحسابات طهران، لا يمكن تجاهل الجهد الخليجي المتزايد للدفع نحو تسوية تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، ولا سيما الدور القطري الذي عاد ليؤدي وظيفة الوسيط بين الأطراف المتصارعة.
وقد يكون الاتفاق بين واشنطن وطهران أقرب مما يعتقد كثيرون. فإيران دولة كبيرة تملك من الموارد والسكان ما يسمح لها بتحمل الانتظار أشهراً أو سنوات إضافية إذا اقتضت حساباتها ذلك.
أما لبنان، فالسؤال الذي يواجهه مختلف تماماً:
ما هي كلفة الانتظار على ما تبقّى من الجنوب اللبناني؟
ففي الوقت الذي يراهن فيه الأميركيون على ضغط الوقت، ويراهن الإيرانيون على استنزافه، يجد الجنوب نفسه يدفع ثمن الزمن الضائع يوماً بعد يوم.
وهنا تستحضر الذاكرة مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت، حيث يتحول الانتظار نفسه إلى بطل القصة. غير أن الجنوب اللبناني لا ينتظر نهاية حرب أو ولادة اتفاق. وفي الحالتين يبقى هو من يدفع ثمن الوقت الضائع.
ولعل المفارقة أن عبارة ترامب المتكررة: They’ve taken too long، وعبارة الرئيس جوزيف عون: «الإسرائيليون يضيّعون الوقت»، تلتقيان، رغم اختلاف السياقين، عند حقيقة واحدة: أن الوقت قد يكون أحياناً أثمن من السلاح والمال والنفوذ.
قد تملك الدول الكبرى ترف الوقت. وقد تملك القوى الإقليمية القدرة على ربط حساباتها بسنوات طويلة من الصراع والتفاوض. أما لبنان، والجنوب اللبناني تحديداً، فقد استنزفته الحروب والانهيارات إلى حد لم يعد معه الانتظار خياراً.
ولهذا تبدو الدعوة إلى الدولة والسيادة وحصرية القرار الأمني والعسكري أقل ارتباطاً بالشعارات السياسية منها بضرورات البقاء الوطني.
فالدول، كما الأفراد، لا تخسر دائماً لأنها أضعف من خصومها، بل لأنها تسيء أحياناً قراءة اللحظة التاريخية وتقدير نتائجها.
وفي عالم يتغير بهذه السرعة، قد لا يكون السؤال من سيربح الحرب أو من سيوقع الاتفاق، بل من يدرك أولاً أن كلفة الجمود أصبحت أعلى من كلفة القرار.
فالجنوب اللبناني، الذي دفع أثمان الحروب والرهانات الإقليمية لعقود طويلة، لم يعد يملك رفاهية انتظار حرب جديدة أو اتفاق جديد. فبين من يراهن على ضغط الوقت ومن يراهن على استنزافه، يبقى هو وحيداً يدفع ثمن الانتظار …
(*) مهندس معماري وكاتب سياسي