الجهوية الموسعة والحكم الذاتي
يتبنى كاتب هذه السطور وجهة نظر خاصة بخصوص مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية المغربية، وهي أن تنزيل هذا المشروع يجب أن يتم في إطار الجهوية المتقدمة التي تعرف يوما بعد آخر انتقالا متسارعا نحو جهوية موسعة حقيقية. إن الباعث على تبني هذا الرأي يعود في واقع الأمر إلى مجموعة من المبررات تتجلى في تلك التحولات الوطنية والدولية التي حدثت بعد تقديم المبادرة المغربية للحكم الذاتي بتاريخ 11 أبريل سنة 2007، والتي لم تكن موجودة حين تقديم المبادرة ولا حتى قبلها. وتتجلى هذه التحولات بالأساس في تلك التراكمات التي عرفتها الجهوية المتقدمة في المغرب ولا زالت تعرفها، وكذلك في تلك التطورات الإيجابية التي عرفها مشروع الحكم الذاتي على المستوى الدولي.
أولا: التراكمات التي عرفتها الجهوية المتقدمة
بعد تقديم مبادرته للحكم الذاتي في أبريل سنة 2007، عرف المغرب مجموعة من التطورات المهمة على المستوى الدستوري والسياسي والاقتصادي والترابي، والتي تصب كلها في إنضاج فكرة أساسية وهي إمكانية التوفيق بين الجهوية الموسعة والحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية المغربية. إن هذه التطورات لا يمكن تجاوزها بأي حال عند تحيين وتفصيل مشروع الحكم الذاتي وتقديمه في صيغتها النهائية للتفاوض. ومن أهمها:
تقديم تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية؛ تم تقديم هذا التقرير إلى جلالة الملك في مارس 2011، وكان من بين أهم أهدافه: انتهاج اللاتمركز الواسع وجعل الأقاليم الجنوبية المغربية في صدارة الجهوية المتقدمة.
الدستور المغربي لسنة 2011؛ الذي اعتبر في ديباجته أن المكون الصحراوي الحساني هو من بين أهم مكونات الهوية الوطنية إلى جانب المكون الأمازيغي والعربي الإسلامي. كما اعتبر الدستور، في فصله الأول، أن التنظيم الترابي للمملكة المغربية هو تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة. بالإضافة إلى أنه أفرد بابا كاملا للجهات والجماعات الترابية وهو الباب التاسع الذي يتكون من إثني عشر فصلا.
النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية المغربية 2015؛ والذي يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف منها: تثمين الثقافة الصحراوية الحسانية، ترسيخ الجهوية المتقدمة، وتعزيز الحكم الذاتي في جانبه الاقتصادي والتنموي.
الميثاق الوطني للاتمركز الإداري 2018؛ الذي بوأ الجهة مكانة الصدارة في تمثيل الإدارة المركزية على المستوى الترابي. ويسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من بينها التقليل من المركزية المفرطة؛ من خلال توزيع الصلاحيات وتثمين الخصوصيات الجهوية.
المناظرات الوطنية حول الجهوية المتقدمة؛ المناظرة الأولى التي انعقدت بمدينة أكادير بتاريخ 20 و21 دجنبر 2019 والتي كانت تروم تشخيص الأعطاب والتحديات التي تواجه تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة في المغرب. والمناظرة الثانية التي انعقدت في مدينة طنجة بتاريخ 20 و21 دجنبر 2024؛ والتي أسفرت عنها مجموعة من التوصيات أهمها: ضرورة المراجعة الشاملة للقوانين التنظيمية للجهات والجماعات الترابية، تسريع تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، تمكين الجهات من قيادة السياسات الترابية المندمجة والبرامج الاستثمارية الكبرى.
النموذج التنموي المغربي الجديد 2021؛ الذي يعتبر بمثابة خارطة طريق استراتيجية لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية في المغرب ما بين 2021 و2035. ويسعى هذا النموذج التنموي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من أهمها: تحقيق تنمية شاملة، وحكامة ترابية، واستثمار الموارد المحلية لترسيخ الاستقرار ودعم القدرة التدبيرية للجهة، بما فيها جهة الحكم الذاتي للصحراء في إطار السيادة الوطنية.
إن الملاحظ لهذه التحولات التي قام بها المغرب بعد تقديم المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007، يدرك أن الدولة المغربية تتبنى الجهوية المتقدمة باعتبارها خيار استراتيجي لامركزي، وتسعى إلى تعميق هذه الجهوية بمنح مزيد من الصلاحيات والاختصاصات في كافة جهات المملكة، وهو ما حقق تراكمات ونتائج واعدة منذ سنة 2015 تاريخ انطلاق تنزيل الجهوية المتقدمة. ولا شك أنه سيشكل قاعدة أساسية لتزيل مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية المغربية الذي أصبح يحظى بتأييد غير مسبوق على المستوى الدولي.
ثانيا: التراكمات الدولية التي عرفها المقترح المغربي للحكم الذاتي
بالموازاة مع التراكمات الداخلية التي عرفتها الجهوية المتقدمة بما فيها الجهات الجنوبية المغربية، شهد المقترح المغربي للحكم الذاتي اعترافات متزايدة، خصوصا بعد الخطاب الملكي الحازم بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2022؛ والذي أكد فيه جلالة الملك محمد السادس على أن “المغرب ينظر إلى علاقاته بالدول من خلال منظار قضية الصحراء”.
وهكذا، اتجهت مجموعة من الدول إلى الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، واختار بعضها إقامة قنصليات في هذه الأقاليم. لكن تبقى أهم الاعترافات هي تلك التي عبرت عنها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن؛ وكان أولها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية في دجنبر 2020 بالسيادة الكاملة للمغرب على كافة مناطق الصحراء المغربية، وإن كان هذا الاعتراف قد تم في إطار اتفاقية أبراهام. ثم تلاه الاعتراف الفرنسي في 30 يوليوز 2025 من خلال رسالة رسمية بعثها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس. ويضاف إلى ذلك الاعتراف شبه الرسمي الذي عبرت عنه المملكة المتحدة؛ حيث صرح وزير خارجيتها في 1 يونيو 2025 بأن المقترح المغربي للحكم الذاتي يشكل الحل الأكثر واقعية لملف الصحراء المغربية.
أما على مستوى مجلس الأمن، فقد كانت قراراته تشيد بمبادرة الحكم الذاتي منذ تقديمها سنة 2007 كإطار للتفاوض من أجل إيجاد حل لمشكل الصحراء المغربية؛ ففي أول قرار له بعد تقديم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، رحب مجلس الأمن من خلال قراره رقم 1754 بتاريخ 30 أبريل 2007 بالمقترح المغربي المقدم في 11 أبريل 2007، معتبرا أنه “يتسم بالجدية والمصداقية ويرمي إلى المضي قدما بالعملية صوب إيجاد حل جدي للنزاع”. وقد استمر تأييد مجلس الأمن للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في كل القرارات اللاحقة. على أن الاختراق والتحول الذي سيعرفه ملف الصحراء في علاقته بقرارات مجلس الأمن، هو الذي جاء مع القرار رقم 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، وذلك بناء على التقرير الذي قدمه المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن بتاريخ 30 سبتمبر 2025؛ والذي دعا فيه الأطراف المتفاوضة (وليس الطرفين) إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، وكذلك بناء على المقترح المغربي للحكم الذاتي الذي يعتبر حسب مجلس الأمن حكما ذاتيا حقيقيا في ظل السيادة المغربية، يمكن أن يشكل أحد المخرجات الأكثر قابلية للتطبيق. وتزداد أهمية هذا القرار إذا أخذنا في الاعتبار أن التصويت على القرار لم يعرف ولأول مرة أي صوت ضده؛ حيث صوت جل الأعضاء بالإيجاب على القرار، وامتنعت ثلاث دول عن التصويت وهي روسيا والصين وباكستان، في حين كان موقف الجزائر (وهي الدولة الأكثر معاداة للمغرب في هذا الملف والأكثر دعما لجبهة البوليساريو) مفاجئا حين امتنعت عن المشاركة في التصويت. مع أن السلوك السياسي للدولة الجزائرية بعد المصادقة على هذا القرار يظهر نوع من التململ والتردد، خصوصا في ظل عزلة موقفها بهذا الخصوص، وفي ظل الموقف الأمريكي الذي يدعو رسميا إلى الإسراع بحل هذا الملف.
ثالتا: نحو نموذج مغربي يوفق بين الجهوية الموسعة والحكم الذاتي
إن التراكمات الداخلية التي حققها المغرب على المستوى الترابي، والتي تبقى بمثابة خيار استراتيجي للدولة المغربية مفتوح على مزيد من التعميق والتوسيع في الصلاحيات والاختصاصات. وكذلك التطورات الإيجابية التي عرفها ملف الصحراء المغربية على المستوى الدولي وعلى المستوى الداخلي. من شأن كل ذلك أن يشكل دعامة أساسية لدعم مشروع الحكم الذاتي، والذي يجب أن يشكل امتدادا طبيعيا لمسار إصلاح الدولة المغربية على المستوى الترابي، وإنجاح ورش اللامركزية الذي يسعى المغرب إلى تنزيله في أبعاده المختلفة وأهدافه المتنوعة، دون أن يؤثر ذلك على وحدة الدولة المغربية؛ حيث يجب أن تشكل جهة الحكم الذاتي للصحراء استمرارا لورش الجهوية الموسعة بوضع خاص، على شاكلة بعض التجارب الدولية الناجحة وأهمها التجربة الإيطالية.
إن ما يزيد من ضرورة تنزيل مشروع الحكم الذاتي في إطار الجهوية الموسعة هو أن الملف يقترب من الحسم دوليا وهو محسوم داخليا؛ على اعتبار أن المغرب يمتلك الجغرافيا والتاريخ، كما أن سكان الجهات الجنوبية يظهرون في كل مناسبة تشبثهم بالهوية الوطنية وثوابتها من خلال بيعة قبائل المنطقة لجلالة الملك، وكذلك من خلال المشاركة السياسية سواء في مؤسسات صنع القرار الوطنية، أو من خلال الانتخابات التي تحقق أعلى نسبة مشاركة على المستوى الوطني. بالإضافة إلى أن التقطيع الجهوي في بعض الجهات الجنوبية الحالية تنصهر فيه أقاليم كانت في السابق تندرج ضمن مناطق متنازع عليها بأقاليم لم تكن يوما موضع نزاع.
لذلك فإن المشروع المغربي للحكم الذاتي يجب أن يندرج ضمن إطار التوجه اللامركزي للدولة المغربية في إطار الجهوية الموسعة. خصوصا وأن المقترح المغربي للحكم الذاتي المقدم سنة 2007 سمى الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية المغربية بعبارة “جهة الحكم الذاتي للصحراء” التي تكررت عدة مرات في نص المبادرة، بحوالي ثمانية وثلاثين مرة. وهو ما يزيد من احتمالية اعتبار أن الحكم الذاتي سيكون جهة من جهات المملكة، لكنها بوضع خاص وبصلاحيات واختصاصات أوسع. وهو أشبه ما يكون بالنموذج الجهوي في إيطاليا التي تنقسم إلى عشرين جهة؛ خمسة منها تتمتع بحكم ذاتي خاص. على أن الثوابت وعناصر السيادة في المشروع المغربي للحكم الذاتي هي محسومة منذ تقديم المبادرة المغربية للحكم الذاتي بل وحتى قبلها، أما الجزئيات والتفاصيل فيمكن التفاوض بشأنها.
انطلاقا مما سبق فإن المشروع المغربي للحكم الذاتي يجب أن يفضي إلى نموذج مغربي متطور للحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية ويراعي الخصوصيات السياسية والثقافية والجغرافية للمملكة المغربية، وذلك في إطار نموذج مغربي خالص للحكم الذاتي يعكس أطروحة الاستثناء المغربي. كما يجب أن يذهب بتعميق وتطوير اللامركزية من خلال الجهوية الموسعة إلى أبعد الحدود. وهو طموح طالما راود المغفور له الحسن الثاني في الثمانينات من القرن الماضي من خلال إعجابه الكبير بنموذج “اللاندر” الألماني.
-باحث في العلوم القانونية والسياسية
The post الجهوية الموسعة والحكم الذاتي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.