الحقول الزراعية الأوروبية تعطش وأمن القارة الغذائي يهتز

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في الحقول الأوروبية، لا تُقَاس موجات الحر بعدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة معدلاتها المعتادة، بل بما تخلّفه عندما ينتهي الصيف: تربة أكثر جفافاً، وسنابل قمح نضجت قبل موعدها، وحقول ذرة لم تمنح مزارعيها ما كانوا ينتظرونه منها. هذه المشاهد لم تعد استثناءً يفرضه موسم سيئ، بل أصبحت تتكرّر بما يكفي لتغيّر طريقة نظر المزارعين إلى عملهم، وطريقة نظر أوروبا إلى زراعتها.

لطالما كانت الزراعة أكثر القطاعات ارتباطاً بتقلبات الطقس، لكنها اعتادت التعايش مع مواسم جيدة وأخرى أقلّ سخاءً. أما اليوم، فالمسألة لم تعد تتعلق بتقلبات موسمية يمكن احتواؤها، بل بواقع مناخي جديد يفرض نفسه عاماً بعد عام، ويجعل التكيف معه جزءاً من إدارة المزارع، لا مجرد استجابة لظروف طارئة.

ولأن الزراعة هي الحلقة الأولى في سلسلة الغذاء، ينتقل أيّ تراجع في الإنتاج أو ارتفاع في التكلفة تدريجياً إلى الصناعات الغذائية، والنقل، والتجارة، ثم يصل في النهاية إلى المستهلك في صيغة أسعار أعلى أو ضغوط أكبر على أسواق الغذاء. من هنا، لم يعد الحديث عن موجات الحرّ شأناً بيئياً يخصّ المزارعين وحدهم، بل أصبح جزءاً من النقاش الاقتصادي والأمني داخل الاتحاد الأوروبي.

لا تمثل الزراعة سوى نحو 1.3 في المئة من ناتج الاتحاد الأوروبي المحلي الإجمالي، لكن أهميتها الاقتصادية تتجاوز هذه النسبة بكثير. وفق بيانات "يوروستات"، بلغت قيمة الإنتاج الزراعي في الاتحاد الأوروبي في عام 2025 نحو 562.5 مليار يورو (أي نحو 641 مليار دولار)، فيما بلغت القيمة المضافة للقطاع نحو 251.8 مليار يورو (أي نحو 287 مليار دولار). هذه الأرقام لا تعكس قيمة المحاصيل والثروة الحيوانية فحسب، بل تُبرِز أيضاً أهمية قطاع يشكل نقطة الانطلاق لصناعات غذائية وتجارية يعتمد عليها ملايين الأوروبيين يومياً.

لكن إذا كان الناس يرون في الحرارة المشكلة الأساسية، فإن المزارعين يعرفون أن الأزمة تبدأ في مكان آخر: الماء. ليست الحرارة المرتفعة سوى عامل يسرّع فقدان التربة رطوبتها، ويزيد حاجة النباتات إلى الريّ في وقت تصبح فيه الموارد المائية أكثر شحّاً. وكلما طال أمد موجة الحرّ، ازدادت الفجوة بين ما تحتاج إليه المزروعات وما تستطيع الطبيعة توفيره، لتتحول المياه إلى العامل الأكثر حسماً في نجاح الموسم الزراعيّ أو فشله.

توضح الوكالة الأوروبية للبيئة هذه الصورة بالأرقام. يُعَدّ الجفاف مسؤولاً عن نحو 54 في المئة من الخسائر الزراعية المرتبطة بالمناخ في الاتحاد الأوروبي، يليه هطول الأمطار الغزيرة بنسبة 21 في المئة، ثم الصقيع بنسبة 16 في المئة، وأخيراً البَرَد بنسبة تسعة في المئة. هذه النسب تكشف أن المشكلة لم تعد في ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل في الضغط المتزايد على الموارد المائية وما يرافقه من تراجع في رطوبة التربة وارتفاع في تكلفة الإنتاج.

يُعَدّ عام 2025 مثالاً واضحاً على هذا التحول، بحسب خدمة "كوبرنيكوس" الأوروبية لتغير المناخ، فقد كان من بين أكثر الأعوام جفافاً لناحية رطوبة التربة منذ بدء الرصد بالأقمار الاصطناعية قبل 33 سنة، فيما شهد أيار (مايو) 2025 وحده وقوع نحو 35 في المئة من أوروبا تحت ظروف صُنِّفت جفافاً زراعياً شديداً. هذه المؤشرات لا تبدو مجرد بيانات مناخية. هي تعني، عملياً، أن النباتات تبدأ موسم نموها في ظروف أصعب، وأن المزارعين يضطرون إلى استخدام كميات أكبر من المياه حين تصبح هذه المياه أقل توافراً وأكثر تكلفة.

وحين تتراجع الأمطار أو تطول موجات الحر، لا تكون الخسارة مجرد انخفاض في إنتاج محصول معين، بل تتحول إلى فاتورة اقتصادية تكبُر عاماً بعد عام. تشير تقديرات أوروبية إلى أن الظواهر الجوية والمناخية الشديدة تكبد القطاع الزراعي في الاتحاد الأوروبي أكثر من 28 مليار يورو (أي نحو 32 مليار دولار) سنوياً، أي ما يعادل نحو ستة في المئة من إجمالي الإنتاج النباتي والحيواني.

الذرة (أ ف ب)

 

تتفاوت قدرة المحاصيل على تحمل الحرارة والجفاف، ولذلك لا تتوزع الخسائر بالتساوي. تُعَدّ المحاصيل الصيفية، مثل الذرة ودوار الشمس والصويا، الأكثر هشاشة لأنها تمر بمراحل نموها الأكثر حساسية في ذروة الصيف، عندما تكون درجات الحرارة في أعلى مستوياتها ويشتد نقص المياه. تُظهِر تقارير مركز البحوث المشتركة التابع للمفوضية الأوروبية أن موجات الحر والجفاف خلال عام 2025 ألحقت أضراراً كبيرة بهذه المحاصيل، وتحديداً في جنوب أوروبا وشرقها، حيث تعرّضت مساحات واسعة من الزراعة البعليّة إلى خسائر يصعب تعويضها.

لكن الضغوط المناخية لم تعد تقتصر على جنوب القارة. أظهرت مؤشرات الجفاف خلال عام 2025 أن مناطق في شمال أوروبا وغربها بدأت بدورها تواجه تراجعاً ملحوظاً في رطوبة التربة وارتفاعاً في الضغط على الموارد المائية، وإن بدرجات أقلّ، ما يعكس اتساع رقعة التأثير المناخي إلى مناطق كانت تُعَدّ حتى وقت قريب أقلّ عرضة إلى هذه المخاطر.

أما الحبوب، فقد بدأت هي الأخرى تعكس هذا الواقع. تشير بيانات "يوروستات" إلى أن إنتاج الحبوب في الاتحاد الأوروبي بلغ 257.7 مليون طن خلال عام 2024، بانخفاض 5.1 في المئة مقارنة بعام 2023. وكان التراجع الأكبر في إنتاج القمح على أنواعه بنسبة 11.4 في المئة، فيما انخفض إنتاج الذرة الصفراء بنسبة 3.4 في المئة.

هذه الأرقام لا تعني أن أوروبا تواجه نقصاً وشيكاً في الغذاء، لكنها تشير بوضوح إلى أن تغيّر المناخ بدأ ينعكس على استقرار الإنتاج الزراعي، وأن الحفاظ على هذا الاستقرار لن يعتمد في المستقبل على جودة البذور أو خصوبة التربة وحدهما، بل على حسن إدارة المياه، وحماية التربة، وقدرة المزارعين على التكيّف مع مناخ يتغير بوتيرة أسرع مما اعتادت عليه الحقول الأوروبية.

مزرعة دجاج في أوروبا (أ ف ب)

 

 

 

على صعيد الثروة الحيوانية، التي تشكّل ركناً أساسياً في الزراعة الأوروبية، تقع هي الأخرى تحت ضغط لا يقل قسوة. لا تتعامل الأبقار والأغنام والخنازير والدواجن مع الحرارة المرتفعة كما يتعامل معها الإنسان. عندما تتجاوز درجات الحرارة حدوداً معينة، تستهلك الحيوانات جزءاً أكبر من طاقتها للحفاظ على توازنها الحراري، فتأكل أقلّ، وتشرب أكثر، وتتراجع معدلات نموها وإنتاجيتها. ومع مرور الأيام، يبدأ هذا الإجهاد بالظهور في انخفاض إنتاج الحليب واللحوم والبيض، فيما ترتفع في المقابل تكلفة التربية بسبب الحاجة إلى التهوية، والتبريد، وزيادة استهلاك المياه، والرعاية البيطرية.

تعكس موجات الحر الأخيرة هذه الصورة بوضوح. في بلجيكا، يتحدث مزارعون عن تراجع إنتاجية مزارع الألبان والخنازير، ويقدّر بعضهم خسائره اليومية بما بين 150 و200 يورو (نحو 171 و228 دولاراً)، أي ما يعادل 10 إلى 15 في المئة من دخله اليومي. وفي فرنسا أيضاً، تسجّل بعض المزارع انخفاضاً في إنتاجية القطعان ونفوق أعداد من الدواجن نتيجة الإجهاد الحراري. هذه الأمثلة لا يمكن تعميمها على القارة بأكملها، لكنها تعكس اتجاهاً بات يتكرّر مع كل صيف شديد الحرارة، ويؤكد أن أثر تغير المناخ لم يعد يقتصر على الحقول، بل أصبح يطاول مختلف حلقات إنتاج الغذاء.

هذا الواقع غيّر طبيعة النقاش داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. في السابق، كان الاهتمام ينصبّ على كيفية تعويض المزارعين بعد موجات الجفاف أو الفيضانات. أما اليوم، فقد بات السؤال مختلفاً: كيف يمكن تقليل حجم الخسائر قبل أن تقع؟ ولهذا، تتجه الاستثمارات في صورة متزايدة نحو تطوير أصناف زراعية أكثر قدرة على تحمل الجفاف والحرارة، وتحسين إدارة التربة للحفاظ على رطوبتها، وتحديث شبكات الريّ لتقليل الهدر، وتوسيع استخدام تقنيات الزراعة الدقيقة التي تسمح بتوجيه المياه والأسمدة وفق الاحتياجات الفعلية لكل محصول.

في الوقت نفسه، أصبحت سياسة الاتحاد الأوروبي الزراعية المشتركة مطالبة بإعطاء التكيّف مع تغير المناخ دوراً أكبر في برامجها، بعدما كان تركيزها التقليدي ينصب على دعم الإنتاج والدخل الزراعي. اليوم لم يعد التحدي يقتصر على إنتاج مزيد من الغذاء، بل على ضمان استمرار هذا الإنتاج في بيئة مناخية تتغير بسرعة. ويبرز هنا تحدٍ آخر لا يقل أهمية. تشير تقديرات إلى أن 20 إلى 30 في المئة فقط من الخسائر المناخية التي يتكبدها القطاع الزراعي تغطيها برامج التأمين، بينما يتحمل المزارعون والحكومات بقية التكلفة. وهذا ما يفسّر تنامي الدعوات إلى توسيع مظلّة التأمين الزراعي، لكي تصبح جزءاً أساسياً من أدوات التكيف مع تغير المناخ، لا مجرد وسيلة لتعويض خسائر استثنائية.

لسنوات طويلة، بُنِيت السياسات الزراعية الأوروبية على افتراض أن الطقس، على الرغم من تقلّباته، سيبقى ضمن حدود يمكن التكيّف معها. أما اليوم، فالمناخ نفسه أصبح متغيراً اقتصادياً رئيسياً، لا يقلّ أثراً عن أسعار الطاقة، أو تكلفة العمالة، أو تقلبات الأسواق. ولهذا، لن يتحدّد مستقبل الزراعة الأوروبية فقط في الحقول، بل أيضاً في كيفية إدارة المياه، وحماية التربة، وتطوير البحث العلمي، وبناء سياسات زراعية أكثر مرونة وقدرة على التكيف. وربما يكون هذا هو التحول الأعمق الذي تفرضه موجات الحر على أوروبا. مع كل صيف أكثر حرارة، يصبح الأمن الغذائي أقل ارتباطاً بحجم المحصول وحده، وأكثر ارتباطاً بقدرة القارة على صون مواردها الطبيعية، ودعم مزارعيها، والاستعداد لواقع مناخي لم يعد يشبه ذلك الذي قامت عليه الزراعة الأوروبية منذ عقود.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية