الدجاج البلدي والحكامة الرقمية

كلمةٌ افتتاحية لا تفتحُ شيئا

هناك كلماتٌ لا تحتاج إلى معنى كي تبدوَ مُحترمة. يكفي أن نقول: حكامة، تحول، بنيوي، رقمنة، تماسك مجتمعي، فئات هشة، قيم أصيلة، حتّى تنتصب الجملة مثل مبنى إداري جديد، واجهته زجاجية، داخله مكاتب فارغة، وموظفون من ورق. تبدأ الحكاية حين تكبرُ اللغة أكثر من أصحابها، حين لا تعود وسيلة للفهم، وتصير ديكورا رسميا، قاعة ثانية داخل القاعة، منصة فوق المنصة. تتحدث عن الرقمنة كما لو أن التطبيقات تنبت في الحقول، وعن العدالة كما لو أن الإنصاف قرار لغوي، وعن حماية الأسرة كما لو أن الأسرة تنتظر كلمة افتتاحية كي تنجو. نقرأ هذه العبارات فنظن أن الأمة تقف على عتبة نهضة رقمية شاملة، ثم نذهب إلى الإدارة فنجد الموظف يبحث عن الختم، والحاسوب متوقفا، والمواطن مطالبا بنسخة ورقية من وثيقة رقمية. عندها يصبح السّؤال ضروريا ومُؤلما: هل نجتمع كي نفكر في القضايا، أم كي نمنح الكلمات فرصة جديدة لتتنزه في الهواء المكيَّف؟

التحوُّل الرّقمي على مائدة الشّاي

تقول الكلمة الرسمية إن الرقمنة لم تعد مجرد أدوات تقنية عابرة، فقد صارت مُحدِّدًا بنيويا يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية والهوية الثقافية وآليات التّماسك المجتمعي. جملة بهذا الحجم تحتاج إلى رافعة بلديّة لنقلها من المنصة إلى الواقع. المشكلة أن الواقع واقف في الخارج، ينتظر دوره، يحمل ملفا أزرق، وصورتين شمسيتين، ونسخة من البطاقة الوطنية، وشهادة سكنى، ونسخة أخرى من الشهادة نفسها لأن النسخة الأولى لا تكفي لإثبات أن صاحبها موجود فعلا. هنا تبدأ الكوميديا السوداء. نجتمع كي نقول إننا ننتقل من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المتفاعل والمطور لحكامتها. جميل؛ عظيم؛ فخم. غير أن أول سؤال بسيط يُفسد الحفل: من يملك التكنولوجيا أصلا؟ من يصنعها؟ من يُموِّل البحث؟ من يكوّن الناس؟ من يحمي البيانات؟ من يشرح للمواطن لماذا عليه أن يعطي رقمه وهويته وصورته وتوقيعه ثم ينتظر شهرا كي يحصل على وثيقة كان يفترض أن تصل إلى هاتفه في دقيقة؟ عند هذا السّؤال، تنخفض حرارة الخطاب قليلا، وينتقل النقاش بهدوء إلى الشّاي.

نحن لا نعاني فقط من ضعف الإمكانات. نعاني من لغة تتجاوز إمكاناتنا، تركض أمامنا بعشرين سنة، ثم تلتفت إلينا غاضبة لأننا لم نلحق بها. اللغة عندنا تصعد إلى السطح قبل أن نجد السُّلَّم. تتحدث عن الذكاء الاصطناعي في قاعة لا يعمل فيها الميكروفون جيِّدا. تحتفل بالتّحول الرّقمي فوق منصة طلب المنظمون من الحاضرين أن يوقعوا حضورهم في ورقة يدوية. تناقش حماية الفئات الهشة في فندق خمس نجوم، ثم تترك الفئات نفسها خارج الباب لأن الدعوة لم تصلها، أو وصلت بصيغة PDF لا يفتحها هاتفها القديم.

ندوةٌ كبيرةٌ لقضيّة ضَائعة

نقول: الحفاظ على قيمنا الأصيلة. عبارة مطمئنة، دافئة، تصلح لكل الفصول. غير أن القيم الأصيلة لا تحتاج إلى أن نكرر اسمها في كل كلمة رسمية كي تبقى حيّة. تحتاج إلى مدرسة لا تطرد التلميذ الفقير من المستقبل، وإدارة لا تذلّ المواطن، وأسرة لا يطحنها الغلاء، وجامعة لا تبيع الأمل في شكل شهادات. القيم لا تسكن في الجمل الكبيرة؛ تسكن في السلوك الصغير: كيف نستقبل الناس، كيف ننصت إليهم، كيف نخدمهم، كيف نعترف بأننا لا نعرف كل شيء.

ثم تأتي في الندوة ذاتها العبارة السّاحرة: ربط البناء الاقتصادي بحماية الأسرة وتنمية الفئات الهشة وتحديث الإدارة. هذه ليست جملة؛ هذه شاحنة محمَّلة بكل مشاكلنا دفعة واحدة. وضعنا الاقتصاد والأسرة والفقر والإدارة في سلة واحدة، رششنا فوقها قليلا من الرّقمنة، ثم قدمناها للحاضرين مثلَ طبق فكري ساخن. في القاعة تصفيق محترم. في التقرير صورة جماعية. في آخر اليوم عشاءٌ بالدّجاج البَلدي. في اليوم التالي يعود كل شيء إلى مكانه، إلا بقايا الحلوى في ذاكرة المشاركين.

السؤال البسيط الذي نخافه هو: لماذا نجتمع؟ هل نجتمع كي ننتج فكرة؟ كي نفتح جرحا؟ كي نسمي الخلل باسمه؟ كي نختلف قليلا؟ كي نخرج بتوصية لها أسنان؟ أم نجتمع كي نصدر بيانا حزينا بملامح سعيدة، يهنّئُ نفسه بنفسه، ويشكر الجميع، ويثمِّن الجهود، ويؤكد الأهمية، ويشيد بالمقاربة، ويدعو إلى المزيد من التَّنسيق، ثم ينامُ في أرشيف الموقع الإلكتروني؟

اجتمعنا كثيرا وفَهمنا قَليلاً

لا عيْبَ في الندوات. العيْبُ في الندوة التي تخاف من الواقع. لا عيْبَ في الرقمنة. العيْبُ في تحويلها إلى تَميمة نعلِّقها على صدر كل خطاب. لا عيْبَ في الحديث عن الحكامة. العيب في أن نصنع لها كرسيا وثيرة داخل الجملة ونمنعها من دخول الممارسة. لا عيْبَ في الكلمات الكبيرة حين تحمل مشروعا كبيرا. العيْبُ حين تُستعمل الكلمات الكبيرة لإخفاء الفراغ، مثل ستارة فاخرة على نافذة لا تُطل على شيء. لذلك، نحتاج إلى قليل من التواضع. كلمة صغيرة، عملية، مزعجة، لا تُحبُّها المنصات كثيرا. نحتاج أن نسأل قبل كل ملتقى أو ندوة: ما القضيّة المحدّدة؟ من يعنيه الأمر؟ ماذا سنُغيِّرُ؟ من يتحمّل المسؤولية؟ ما المؤشِّر الذي سيكشف نجاحنا أو فشلنا؟ ما الجُملة التي سنحذفها لأنها جميلة فقط؟ ما الجُملة التي سنتركها لأنها مُفيدة فعلا؟

حين نجيب عن هذه الأسئلة، يمكن أن نجتمع بكرامة. يمكن أن نشرب الشَّاي أيضا، لا مشكلة. يمكن أن نأكل الحلوى، ويمكن أن نختلف حول الدَّجاج البلدي. المهم ألا يكون الشاي هو الفكرة الوحيدة التي نجحت، وألا تكون الحلوى ألذُّ من التّوصيات، وألا يكون العشاء أكثر واقعية من الخطاب؛ عندها فقط سنعرف إنْ كُنا جئنا لنُفكِّر في القضايا، أو جئنا كيْ نمنح اللغة فرصة جديدة لتلتقط صورة تذكارية مع نفْسِها.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

The post الدجاج البلدي والحكامة الرقمية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress