الرجل الذي باع الدنيا و ورث السماء
الأب فادي سميا
في زمن يتسابق فيه الناس على المال والشهرة والسلطة، اختار رجل أن يسير عكس التيار تماماً. باع ما يملك، ترك بلده، وذهب ليعيش في كهف على جرف صخري في جبال لبنان. لا هاتف، لا تلفزيون، لا ضجيج. فقط الصلاة والصمت والسماء.
هذا الرجل هو الأب داريو إسكوبار.
من كولومبيا إلى وادي القديسين
وُلد داريو عام 1934 في مدينة لا إستريّا الكولومبية، من عائلة ثرية لم يكن ينقصها شيء. نشأ بين الرفاهية والوفرة، إلتحق بجماعة يسوع في بوغوتا عام 1955، درس اللاهوت والفلسفة والتربية، اصبح كاهناً وجال في أميركا وأوروبا، ودرّس في إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
لكن شيئاً ما كان ينقصه.
في ميامي، التقى كاهناً مارونياً حدّثه عن وادي قاديشا في لبنان، عن نسّاكه وصمته وهوائه وصخوره و قداسته. فأحسّ الأب داريو كأن أحداً يناديه من بعيد. قرر أن يلبّي النداء. جاء إلى لبنان عام 1993، وقف على حافة الوادي المقدس ونظر إلى الأسفل، فرأى ما كان يبحث عنه طول عمره.
عشر سنوات من الانتظار
لم يكن الطريق سهلاً. انتظر عشر سنوات كاملة حتى أذنت له الرهبانية اللبنانية المارونية بأن يعيش حياة الحبس. عشر سنوات من الطاعة والصبر قبل أن يصل إلى ما أراد. وحين جاء الإذن أخيراً، انتقل إلى محبسة سيدة حوقا، مغارة في صخر الجبل، مطلاً على أحد أجمل وديان الأرض.
من القصر إلى الكهف. من كل شيء إلى لا شيء. ومع ذلك كان يبدو كأنه يملك العالم.
يوم الأب داريو
يومه لا يشبه يوم أحد منّا نحن الذين نعيش في صخب هذا العالم . أربع عشرة ساعة للصلاة، ثلاث ساعات للعمل في حديقته الصغيرة، ساعتان للقراءة والترجمة، وخمس ساعات للنوم على لوحٍ خشبي تحت غطاء ثوبه الرهباني. طعامه مما تنبته يداه، وحين سُئل عن يومه الطويل في الصلاة قال ببساطة: "أُسايِر ربّي". جملة واحدة تختصر حياة بأكملها.
الرجل الذي يضحك ويشفي
لم يكن الأب داريو راهباً متجهم الوجه. كان يمزح مع زواره ويضحك معهم ويتحدث بخليطٍ من العربية والإنكليزية والإسبانية. وأنا شخصياً زرته مرات عدة، وتبادلت معه الحديث اللطيف الفرح، ذلك الحديث المليء بعمقٍ روحي عجيب يجمع فيه بساطة الأطفال وتواضع المتواضعين. و قد رافقت الشبيبة في رحلات إليه ليتعرفوا على ناسك لا يشبه العالم، رجل يعيش على هامش الحياة الحديثة لكنه في صميم ما تحتاجه الروح.
الناس كانوا يأتون إليه من كل مكان، يحملون مرضاهم على الأكتاف، يطلبون البركة للمواليد والمخطوبين والعقيمين. وتُروى عنه شفاءات وعجائب لا يمكن تفسيرها بسهولة، لأن رجلاً يصلي أربع عشرة ساعة في اليوم يصبح قريباً من السماء بشكل لا نفهمه نحن الذين نكاد ألا نجد وقتاً لصلاة واحدة.
وداعاً أيها الحبيس
عن عمر ناهز الثانية والتسعين، غادر الأب داريو إسكوبار هذه الأرض التي أحبها وعاش فيها غريباً وقديساً في آنٍ واحد. الأربعاء 20 أيار 2026، عند الرابعة بعد الظهر، تُقام الصلاة لراحة نفسه في دير مار أنطونيوس الكبير في قزحيا، حيث يُوارى بعدها في مدافن الدير بين الجبال التي عشقها.
لم يترك ثروة ولا منصباً. ترك فقط ذكرى رجل آمن بأن أعمق أشكال الحرية هي أن تتخلى عن كل شيء طوعاً.
ستفتقده الرهبانية، وستفتقده الكنيسة المارونية، وسيفتقده كثيرون ممن عرفوه أو سمعوا عنه. نرجو أن يشفع فينا وفي لبنان و في العالم بحضرة الآب السموي، وأن يُرسل الله الى لبنان والعالم نسّاكاً وكهنة قديسين يفوحون بعطر القداسة، ويكونون قلب الصلاة النابض الذي يُحيي العالم.
في عالمٍ يظن أن السعادة في الامتلاك، جاء داريو إسكوبار ليقول بصمته وبحياته وبموته: السعادة الحقيقية في مكان آخر تماماً.
و أخيراً استشهد بقول المثلث الرحمة البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير حين قال: "ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ، ولتبقى لنا الحرية التي إذا عُدمناها عُدمنا الحياة".
أعطنا يا ربّ كهنةً قديسين.