الرقابة التي غابت
جان كلود سعاده
عمليّة السطو الكبرى التي حصلت في ٢٠١٩ وكشفت عقود من الممارسات الغريبة والشاذّة في النظام المصرفي اللبناني أدخلت البلد في أزمة إضافيّة لا تزال مستمرّة حتى اليوم بتداعياتها المالية والاقتصادية، وخصوصًا تبعاتها الإنسانية والاجتماعية. عند إنكشاف هذه الأزمة تبيّن للجميع أن النظام المصرفي كان يطير تحت مستوى رادار الرقابة والمحاسبة بتعاملاته وسياساته وهندساته، كما تبيّن أيضاً أن الرقابة المصرفية بتركيبتها القديمة عانت من قصور واضح لا بد من معالجته في إطار إعادة بناء نظام مصرفي يمكن الوثوق به والإعتماد عليه. من هنا، لم يعد مقبولاً التفكير بإعادة إحياء النظام القديم كما كان بانتظار أن يتسبب بكارثة أخرى مشابهة في المستقبل.
عندما نتحدّث عن النظام المصرفي اللبناني فنحن نعني مصرف لبنان وجميع المصارف التجارية إضافة إلى القوانين التي تنظم عملها وعلاقاتها فيما بينها ومع الجهات الأخرى من الزبائن الى الدولة وصولاً الى المصارف المراسلة والهيئات المصرفية العالمية.
أمّا الحاجة إلى التحديث فهي شاملة وتطال كافة أوجه النشاط المصرفي، لكننا سنركّز هنا على اقتراح محدّد يتعلّق بمسألة الرقابة على المصارف وضمان الودائع وهو واحدة من جملة أفكار كنّا قد تقدمنا بها سابقاً الى الجهات المعنيّة والمراجع المختصة.

جمع الرقابة الفاعلة مع القدرة على المعالجة
من حيث الشكل والتنظيم، نقترح دمج الهيئات الرقابية العاملة ضمن مصرف لبنان مع مؤسسة ضمان الودائع، وتحويلها إلى مؤسسة رقابية وضامنة في الوقت نفسه تتمتع بذراع تنفيذية فاعلة تقوم بمراقبة عمل المصارف بشكل دائم وحثيث كما تبادر الى التدخل السريع عند الحاجة لتصحيح المسار أو وضع اليد عليها إذا استوجب الأمر.
وتكون هذه المؤسسة مسؤولة عن ضمان الودائع والحسابات المصرفية حتى سقوف تفوق تلك المعتمدة في أوروبا وأميركا، وذلك بهدف إعطاء ضمانة إضافية تساعد على إسترجاع ثقة المودعين والأسواق على حد سواء بالقطاع المصرفي اللبناني.
أما تمويل هذه المؤسسة فيتم عبر اشتراكات إلزامية تدفعها المصارف كمساهمات وأقساط تأمين. وتُعدَّل هذه الأقساط صعودًا عند حصول مخالفات من قبل مصرف أو مجموعة مصارف، مما يحفّز القطاع ككل على الالتزام كمجموعة بأصول الحوكمة والعمل المصرفي السليم.
نموذج الـ FDIC
يشبه عمل هذه المؤسسة المُقترحة في جوانب كثيرة دور المؤسسة الفدرالية لتأمين الودائع في الولايات المتحدة والمعروفة بالـ FDIC، والتي أنشئت عام ١٩٣٣ بعد الانهيار المالي. فقد جاءت هذه المؤسسة كأداة لإعادة الثقة بالنظام المصرفي الأميركي بعد موجة من إفلاسات البنوك. وتقوم وظيفتها على تأمين الودائع حتى سقف محدّد، يمول من اشتراكات البنوك نفسها، وليس من المال العام. مع مرور الوقت تطورت صلاحيات الـ FDIC، فأصبحت أيضًا مسؤولة عن إدارة حالات إفلاس المصارف، سواء عبر بيع الأصول أو إعادة هيكلة البنوك أو حتى تصفيتها بشكل منظّم، مع ضمان حقوق المودعين حتى حدود معيّنة.
لعلّ المثال الأقرب عن التدخل الناجح لهذه الهيئة هو ما جرى عند انهيار بنك سيليكون فالي (SVB) عام ٢٠٢٣، فخلال بضعة أيام، وضعت الFDIC يدها على البنك، وأمّنت انتقالًا سلسًا الى مستحوذ جديد، وضمنت جميع الودائع بالكامل، بما يفوق السقف المحدد للتأمين وهو عادة ٢٥٠ الف دولار لكل حساب.
هذا التدخل السريع حال دون قيام حالة ذعر مالي واسع، وتهافت على المصارف الأخرى وأعاد الطمأنينة فورًا إلى السوق والمودعين. كما يثبت مثال الFDIC أن الأهم لدى السلطات السياسية والنقدية هو حماية الاستقرار المالي وتجنّب التسبب في أزمة عامّة تقوض الوضع الاقتصادي وتؤثّر سلباً على حياة الناس.
نحو قطاع مصرفي جديد
بعد عدّة جولات من التعديلات على قانون إعادة هيكلة المصارف، والتجاذبات المستمرّة حوله داخليّاً ومع صندوق النقد الدولي، نجد أنّ الوقت المناسب للتفكير جدياً في مثل هذا الإقتراح هو الآن وذلك بهدف بناء قطاع مصرفي للمستقبل لا أن نبقى أسرى الماضي وطُرُقه وأساليبه. فلبنان بحاجة الى قطاع مصرفي جديد يتم تحصينه بمؤسسات فاعلة ومستقلة وقادرة على الجمع بين الرقابة الصارمة والتدخّل السريع والضمان الفعلي لحقوق المودعين. من دون ذلك، سوف يبقى النظام المصرفي عُرضة للتدخلات ولتكرار الأزمات والأخطاء الماضية والتي مازلنا ندفع أثمانها حتى اليوم.