السياسة… بين المناضل العُضوي والعَرضي!

عندما دعوت في مقال سابق إلى تأسيس ممارسة سياسية عقلانية في الجزائر تقوم على العلم والمنهج لا على الخطابة والعشوائية، كنت أدعو في العمق إلى تغيير طبيعة الفاعل السياسي نفسه، لا مجرد تغيير أدواته وتقنيات اشتغاله. فالسياسي الذي يفهم المجتمع عبر الإحصاءات والدراسات والتحليل النقدي لا يظهر من فراغ، ولا يسقط على البرلمان مصادفة، وإنما هو ثمرة مسار طويل من التكوين والانخراط والتراكم. ولهذا كان أنطونيو غرامشي يرى أن كل مشروع سياسي حقيقي يحتاج إلى “مثقف عضوي” يرتبط اجتماعيا بطبقته وقضاياه، ويجعل من الفعل السياسي امتدادا عضويا لحياته اليومية لا نشاطا موسميا عابرا. ومن هنا يمكن الحديث عن “المناضل العضوي”، ذلك الذي يعيش السياسة باعتبارها التزاما وجوديا ومعرفيا وأخلاقيا، لا مجرد حضور مناسباتي تحركه الانفعالات العابرة أو الحسابات الظرفية في الواقع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكي نفهم هذه الإشكالية بعمق، علينا أن نعترف بحقيقة تاريخية كثيرا ما يتم تجاهلها في الخطابات الحالمة: السياسة، في تاريخها الطويل، لم تكن أبدا نشاطا مفتوحا للجميع بالقدر نفسه. ففي اليونان القديمة، حيث تشكلت البذور الأولى للديمقراطية، لم يكن الفقراء والعبيد والنساء مواطنين كاملي المشاركة في المجال العمومي. ولم يكن الأمر مجرد نزعة طبقية قاسية، وإنما كان مرتبطا أيضا بمنطق عملي فرضته شروط الحياة نفسها. فكيف لمن يقضي يومه في السعي وراء الطعام والعمل الشاق أن يجد الوقت لتعلم الجدل والخطابة وتدبير شؤون المدينة؟ لهذا كانت العائلات الميسورة ترسل أبناءها إلى السوفسطائيين ليتعلموا فنون الإقناع والنقاش، وكأن السياسة منذ بدايتها كانت تحتاج إلى تدريب طويل ووقت متاح وقدرة على التفرغ. وحتى أفلاطون، رغم نقده الحاد للسوفسطائيين في إحدى محاوراته، كان يدرك أنهم يلبون حاجة حقيقية تتعلق بصناعة المواطن القادر على المشاركة في المدينة. وقد كان أرسطو يعتبر أن الإنسان لا يصبح مواطنا كاملا إلا عندما يمتلك القدرة على المشاركة في الشأن العام، وهي قدرة لا تنفصل عن شروط مادية وزمنية محددة.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post السياسة… بين المناضل العُضوي والعَرضي! appeared first on الشروق أونلاين.