الشرق الأوسط بعد الردع: هل يعيد تعدد الجبهات تشكيل النظام الإقليمي؟
د. علي حمّود - باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد
لم يعد الشرق الأوسط ساحةً لتبادل الضربات العسكرية فحسب، بل تحول إلى مختبر استراتيجي يُختبر فيه مستقبل النظام الإقليمي، وربما ملامح النظام الدولي ذاته. فكل جبهة جديدة تُفتح، وكل ممر بحري يتعرض للتهديد، وكل منشأة للطاقة تدخل دائرة المخاطر، يرفع من احتمالات انتقال الصراع من نزاع إقليمي إلى أزمةٍ دولية ذات تداعيات اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
تاريخياً، سعت الولايات المتحدة إلى إدارة الأزمات في الشرق الأوسط بما يمنع انهيار توازنات القوة، ويحافظ في الوقت نفسه على أمن حلفائها، واستقرار أسواق الطاقة، وحرية الملاحة الدولية. أما إسرائيل، فقد بنت عقيدتها الأمنية على مبدأ الحسم السريع، انطلاقاً من إدراكها أن طول أمد الحروب يفرض أثماناً اقتصادية وأمنية واجتماعية متزايدة، ويقلص هامش المبادرة العسكرية.
في المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لخوض صراعات طويلة الأمد، مستفيدةً من شبكة تحالفات إقليمية وأدوات نفوذ غير تقليدية تمنحها القدرة على توزيع الضغوط عبر أكثر من ساحة. ومن هذا المنطلق، فإن استراتيجية طهران لا تقوم بالضرورة على تحقيق انتصارٍ عسكري مباشر، بل على رفع تكلفة المواجهة بالنسبة لخصومها، بحيث يتحول عامل الزمن إلى عنصر استراتيجي يخدم مصالحها.
غير أن الرهان على الاستنزاف يحمل مخاطره أيضاً. فالحروب الممتدة لا تمنح أفضلية مطلقة لأي طرف، بل تخلق بيئة تتزايد فيها احتمالات سوء التقدير، واتساع نطاق الاشتباك، ودخول أطراف جديدة ذات مصالح متباينة. وفي هذه الحالة، يصبح التحكم بمسار الأحداث أكثر صعوبة، بينما تتراجع قدرة القوى الكبرى على فرض إيقاع الأزمة أو احتوائها.
وتتجاوز تداعيات هذا المشهد البعد العسكري. فالاقتصاد العالمي أصبح أكثر ارتباطاً بأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة، وأي اضطراب طويل في البحر الأحمر أو الخليج أو شرق المتوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وإعادة رسم خريطة التجارة الدولية. ومن ثم، فإن أي تصعيد إقليمي لن يبقى شأناً شرق أوسطياً، بل سيتحول سريعاً إلى قضية تؤثر في النمو العالمي، والسياسات النقدية، والاستقرار المالي.
كما أن تعدد الجبهات قد يفتح المجال أمام قوى دولية وإقليمية أخرى لتعزيز أدوارها السياسية والاقتصادية، سواء عبر الوساطة، أو الاستثمار في الفراغات الاستراتيجية، أو إعادة بناء شبكات النفوذ. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع مجرد مواجهة بين خصوم إقليميين، بل يصبح جزءاً من المنافسة الأوسع على شكل النظام الدولي في مرحلة تتسم بتراجع الأحادية القطبية وصعود التعددية.
وفي هذا السياق، فإن أي إدارة أميركية ستواجه معضلة مزدوجة: كيف تحافظ على الردع من دون الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة، وكيف تطمئن حلفاءها من دون استنزاف مواردها في وقت تتزايد فيه المنافسة مع قوى دولية أخرى. وفي المقابل، تدرك إيران أن امتلاك القدرة على الصمود قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر أهمية من تحقيق مكاسب ميدانية سريعة.
إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد بحجم القوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الأطراف على إدارة الزمن الاستراتيجي للصراع. فالتاريخ الحديث يثبت أن الحروب لا تُحسم في ميادين القتال فحسب، بل أيضاً في الاقتصاد، والديبلوماسية، والرأي العام، والقدرة على تحمل التكلفة. ومن هنا، فإن الطرف الذي ينجح في إدارة هذه العناصر مجتمعة سيكون الأقرب إلى إعادة صوغ موازين القوة، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا.