الشيخ نحناح والبُعد الديمقراطي للدَّولة الجزائرية

تمرُّ علينا الذكرى الـ23 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله، والتي توافق 19 جوان من كلِّ سنة، وهي مناسبةٌ للغوص -في كلِّ مرَّة- في أعماق عطاءاته الفكرية والسِّياسية، والوقوف على بعض إسهاماته على مستوى الدَّعوة والدولة، ونقف هذه السَّنة عند سؤال البُعد الديمقراطي للدولة الجزائرية في فكر الشيخ نحناح، إذْ أنَّه من الإشكاليات الفكرية التي واجهت الحركة الإسلامية المعاصِرة، سؤال الدولة الحديثة، وتحدِّي مفهوم الديمقراطية الغربية في بُعديها الفلسفي والإجرائي.
لقد بقي مفهوم الدولة في الإسلام وفي العصر الحديث من المسائل السِّياسية التي وقع عليها الجدل في الفكر السِّياسي الإسلامي المعاصر، وفي التجربة السِّياسية للحركة الإسلامية المعاصرة، ومنها: التجربة السِّياسية للشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وهو امتدادٌ لذلك التقصير الذي وقع في تاريخ الفكر السِّياسي الإسلامي قديمًا، في مسألة التأصيل لمفهوم الدولة، ووظائفها ومقاصدها والغايات التي تقتضي أصل قيامها.
لقد أحدث سقوط الخلافة الإسلامية رسميًّا سنة 1924م هزَّةً عنيفةً في الوعي الإسلامي المعاصر، وخلق تحدِّيًّا جديدًا في الفكر السِّياسي الإسلامي، بعد أنْ أصبحت الدولة الوطنية الحديثة حقيقةً موضوعية، فرَض التعاملَ معها مبدأُ ضرورات الواقع، مع بقاء نموذج الخلافة الإسلامية قائمًا في أدبيات الحركة الإسلامية المعاصرة، وفي ضميرها الجمعي وتصوُّرها الذّهني، وخاصة أنَّ مفهوم «الأمَّة» لديها يستوعب جميع المسلمين في العالم برباط العقيدة، كما في قوله تعالى: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ»(الأنبياء:92)، وهو يختلف عن مفهوم «الأمَّة» في الدولة الحديثة، والذي يستوعب قومًا برباط الجغرافيا أو العِرق ولو اختلفوا في الدِّين والعقيدة، ممَّا يعني أنَّ هذا المفهوم للأمَّة لدى الحركة الإسلامية يجعل مفهوم الدولة القُطْرية دولة «مؤقتة» في إطار المشروع الأممي لها، وهو: الخلافة، وخاصَّة مع ورود نصوصٍ شرعية تؤكِّد بقاءَ مصطلح الخلافة إلى آخِر الزَّمان، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده:«.. ثُمَّ تَكُونُ خِلَافةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ..».
ولذلك فقد استغرق مفهوم «الدولة الإسلامية» قرابة القرن من الصَّحوة الإسلامية المعاصرة لتبدأ المراجعات بإعادة التفكير خارج إطار المفهوم التقليدي للخلافة، ليتمَّ الاقترابُ بشكلٍ واقعيٍّ من مفهوم الدولة الحديثة خارج إطار الإيديولوجيا، والتحوُّل نحو الدولة الوطنية القُطرية كحقيقةٍ واقعية لا مناص من الاعتراف بها والتعامل معها، ويتمُّ التكييف الفقهي للأحكام المترتِّبة عليها، وهي خطوةٌ مهمةٌ باتجاه تأصيل فكرة الدولة الوطنية في الخطاب الإسلامي السِّياسي المعاصر.
ويُعدُّ الشيخ نحناح من أعلام الحركة الإسلامية الذين تجاوزوا هذا الجدل الفكري حول مفهوم الدولة الحديثة، فهو يؤمن بأنَّ الدولة الإسلامية لا تقوم على أساس وَحدة العقيدة فقط، فقد استوعبت تاريخيًّا أديانًا أخرى، فيقول «أمَّتنا توحَّدت عبر التاريخ برابطة العروبة والإسلام، أو برابطة العربية والحضارة الإسلامية، ورَضِي بها حتى فريقٌ من النَّصارى وبعض الطوائف الأخرى، ولم يتأخَّروا في مناصرة الانتماء وإعلان الولاء..»، وقد حسم الشيخ نحناح مسألة الإيمان بالدولة الوطنية الجزائرية وولائه المطلق إليها، والتأسيس لمفهوم الوطنية والمواطنة فيها، فيقول: «قام المشروع السِّياسي الوطني على مبدأ الاستقلال التام والكامل عن فرنسا، وعلى السَّعي لبناء الدولة الوطنية ذات السِّيادة».
المنشودة»: «أنَّ الشَّعب هو صاحب السِّيادة ومصدر السُّلطة في الدولة»، وأنَّ من شروط الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية أن تكون الإرادة الشعبية المعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرَّة والنزيهة هي السبَّيل الطبيعي والقانوني للبناء المؤسَّساتي لها، وقد جعل من أهداف منهج المشاركة ودوافعه الفكرية، هو «المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية، ومنع بنيانها من الانهيار والسُّقوط.»
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post الشيخ نحناح والبُعد الديمقراطي للدَّولة الجزائرية appeared first on الشروق أونلاين.