الصور العلمية تفقد حصانتها في عصر الذكاء الاصطناعي
كانت الصورة العلمية، مدى عقود، إحدى أكثر وسائل الإثبات موثوقية، إذ ارتبطت في أذهان الجمهور بالمختبرات والأجهزة المتخصصة والبعثات العلمية، ما منحها قدراً كبيراً من الصدقية. لكن هذا الواقع يشهد تحولاً جذرياً مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي باتت قادرة على إنتاج صور تحاكي المشاهد العلمية بدرجة يصعب تمييزها عن الصور الحقيقية. وفي تحليل نشرته منصة The Conversation، يبرز تحذير من أن القضية لم تعد تقتصر على انتشار الصور المزيفة فحسب، بل تمتد إلى أزمة ثقة قد تطاول أهم أدوات التواصل العلمي وإثبات الحقائق.
وتبرز هذه المخاوف مع الانتشار الواسع لصورةٍ التقطها رواد مهمة Artemis II التابعة لوكالة "ناسا" في نيسان/أبريل 2026، أظهرت الأرض تشرق فوق أفق القمر في مشهدٍ أعاد إلى الأذهان صورة "Earthrise" الشهيرة التي التقطتها بعثة "أبولو 8". ورغم أن الصورة حقيقية، فإن القدرة على إنتاج صور مماثلة باستخدام الذكاء الاصطناعي تثير تساؤلات حول كيفية تمييز الجمهور بين الصورة الأصلية وتلك التي تُنشأ رقمياً.

في الوقت نفسه، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من أدوات العمل اليومية للباحثين، إذ يُستخدم لإنتاج الرسوم التوضيحية، وإنشاء بيانات اصطناعية، وتحسين صور المختبرات، وإعداد المواد التعليمية. ورغم الفوائد الكبيرة التي توفرها هذه التطبيقات في تبسيط العلوم وتسريع إنتاج المحتوى، فإنها تذيب الحدود بين الرسم التوضيحي والتحسين المشروع والتلاعب بالمحتوى البصري.
ولم تعد المخاطر نظرية، إذ شهد عام 2024 سحب ورقتين بحثيتين بعد اكتشاف احتوائهما على رسوم مولدة بالذكاء الاصطناعي تضمنت تراكيب بيولوجية غير ممكنة علمياً، كما سحبت مجلة New England Journal of Medicine في عام 2026 دراسة بعدما تبين أن إحدى صورها السريرية عُدلت باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويُعتقد أن هذه الحالات لا تمثل سوى جزء من مشكلة آخذة في الاتساع، خصوصاً في المجالات التي تعتمد بصورة كبيرة على الأدلة البصرية مثل الطب وعلوم المواد.
ورغم بدء دور النشر الأكاديمية باستخدام أدواتٍ للكشف عن الصور المزيفة، فإنها تواجه تحدياً مستمراً، لأن تقنيات التوليد تتطور بوتيرة أسرع من تقنيات الكشف. فهذه الأنظمة تعتمد على التعرف إلى أنماط سبق تدريبها عليها، بينما تظهر نماذج جديدة باستمرار قادرة على تجاوزها. وتكمن الخطورة في الصور التي تبدو واقعية تماماً، لكنها تحتوي على تشويهات علمية دقيقة قد تمر من دون ملاحظة خلال المراجعات الأولية.
واستمدت الصور العلمية صدقيتها تاريخياً من صعوبة إنتاجها، إذ كانت تتطلب معدات متطورة وخبرات متخصصة، ما عزز الاعتقاد أنها تمثل مشاهدات حقيقية. أما اليوم، فقد أصبح إنتاج صور تحمل المظهر العلمي نفسه متاحاً لأي شخص تقريباً، وهو ما أضعف المؤشرات التقليدية التي يعتمد عليها الجمهور لتقييم صدقية الصور.
وتشير الدراسات إلى أن الناس يحكمون عادة على الصور العلمية من خلال جودة إنتاجها، والجهة التي نشرتها، ومدى توافقها مع اقتناعاتهم. إلا أن الذكاء الاصطناعي أضعف هذه المؤشرات جميعها، بعدما أصبحت الجودة العالية متاحة للجميع. كما أن الصور تفقد سياقها الأصلي عند تداولها عبر الإنترنت، ما يدفع كثيرين إلى الاعتماد على معتقداتهم الشخصية أكثر من اعتمادهم على الأدلة.
وتتمثل النتيجة في ظاهرة مقلقة، إذ قد تُرفض الصور العلمية الحقيقية إذا خالفت اقتناعات بعض الأشخاص بذريعة أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما تُقبل الصور المزيفة بسهولة عندما تؤكد أفكاراً موجودة مسبقاً. وبذلك يتحول الدليل البصري من وسيلة لتعزيز الثقة إلى عنصر يثير الشك.
ولا يكمن الحل في الحد من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في ترسيخ معايير أعلى من الشفافية. فكما يلتزم الباحثون الإفصاح عن مصادر التمويل ومنهجيات البحث، ينبغي أيضاً توضيح مصدر كل صورة، وما إذا كانت تمثل رصداً مباشراً أو محاكاة أو رسماً توضيحياً أو خضعت لتعديل باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع بيان كيفية التحقق منها وإمكان إعادة إنتاجها.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الجمهور يمنح ثقته تلقائياً لأي صورة مهما بدت مقنعة، بل أصبحت الصدقية ترتبط في وضوح بمصدر الصورة وإمكان تتبعها والتحقق منها. ومن دون معايير واضحة تنظم إنتاج الصور العلمية والإفصاح عن كيفية إنشائها، قد تجد المؤسسات العلمية نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق، بحيث تصبح كل صورة قابلة للتشكيك، وتفقد الأدلة البصرية إحدى أهم وظائفها في بناء الثقة بين العلماء والجمهور.