العبار يقود رهاناً عقارياً خليجياً ضخماً في سوريا وسط تدفق استثمارات إماراتية في الموانئ والنقل
تتسارع وتيرة الاستثمارات الإماراتية في سوريا، بعد أن انتقلت من مرحلة استطلاع الفرص إلى مشاريع فعلية تشمل الموانئ والنقل والعقارات، في مؤشر على تزايد الانفتاح الاقتصادي على السوق السورية بعد سنوات من الحرب والعقوبات.
آخر هذه التحركات يأتي من رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس شركتي "إعمار العقارية" (Emaar Properties) و"إيجل هيلز " (Eagle Hills)، الذي قال لـ"بلومبرغ" إنه يقيّم مشاريع تتراوح قيمتها بين 18 و20 مليار دولار في دمشق واللاذقية، منها نحو 10 إلى 11 مليار دولار لتطويرات في دمشق ومحيطها، و5 إلى 7 مليارات دولار لمشاريع سياحية على الساحل السوري، على أن يبدأ البناء خلال 6 إلى 12 شهراً شرط الحصول على موافقات التخطيط.

شركة مشتركة وتمويل قيد الدرس
يرأس العبار خطة تنفيذ المشروعين عبر شركة جديدة مملوكة بالشراكة بين الحكومة السورية ومستثمرين خليجيين وسوريين، تساهم فيها الحكومة بالأراضي، على أن تكون "إيجل هيلز" مستثمراً رئيسياً مع توجه لتكون غالبية الملكية لمستثمرين سوريين. وتدرس الشركة تخصيص جزء من المشروعين للإسكان منخفض التكلفة، عبر اقتطاع مبلغ يتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف دولار من كل وحدة مباعة لتحويله إلى صندوق تمويل إسكان للفئات الأكثر احتياجاً. وتشير تقديرات إلى حاجة سوريا لبناء نحو 200 ألف وحدة سكنية سنوياً على مدى عقد كامل، ما يعكس حجم الفجوة السكنية بعد سنوات الصراع.
قبل تصريحات العبار المباشرة، تحدثت تقارير إقليمية، أبرزها تقرير لموقع "الشرق" في أيار/مايو 2026 نقلاً عن مصدر مطلع لم يُسمَّ، عن أن "إيجل هيلز" تدرس مشروعين بكلفة تطويرية تتجاوز 50 مليار دولار. هذا الرقم لم يصدر عن العبار نفسه ولا عن الشركة رسمياً، وهو أعلى من النطاق الذي حدده لاحقاً لـ"بلومبرغ"، ما يجعله خلفية غير مؤكدة لا رقماً معتمداً.
الموانئ.. نقطة الانطلاق الأولى
قبل دخول العبار على خط العقارات، تركزت الاستثمارات الإماراتية في سوريا على البنية التحتية للنقل والموانئ. فقد وقّعت "موانئ دبي العالمية" (DP World) في تموز/يوليو 2025 اتفاقية امتياز لمدة 30 عاماً مع الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس باستثمار قدره 800 مليون دولار. ويمتد التعاون إلى إنشاء مناطق صناعية وحرة وموانئ جافة، بما يمنح المشروع طابعاً لوجستياً متكاملاً يربط الشحن والتخزين والتصنيع.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، استحوذت مجموعة "موانئ أبوظبي " (AD Ports Group) على حصة 20% في محطة حاويات اللاذقية الدولية بقيمة 22 مليون دولار، عبر اتفاق مشترك مع شركة الشحن الفرنسية "سي إم إيه سي جي إم" (CMA CGM) التي تشغّل المحطة التي تتعامل مع نحو 95% من حركة الحاويات في سوريا.
مترو دمشق ضمن حزمة الـ14 مليار دولار
توسّع الحضور الإماراتي أيضاً إلى قطاع النقل الحضري، عبر توقيع "المؤسسة الوطنية للاستثمار" الإماراتية (National Investment Corporation) اتفاقاً بقيمة 2 مليار دولار مع وزارة النقل السورية لبناء شبكة مترو في دمشق، من المتوقع أن تخدم نحو 750 ألف راكب يومياً بعد اكتمالها. ويأتي هذا الاتفاق ضمن حزمة أوسع من 12 مشروعاً استراتيجياً وقّعتها دمشق بقيمة إجمالية 14 مليار دولار في آب/أغسطس 2025، شملت أيضاً توسعة مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار مع تحالف بقيادة شركة "يو سي سي هولدينغ" (UCC Holding) القطرية، ومشروع أبراج دمشق بقيمة 2 مليار دولار مع الشركة الإيطالية "أوباكو" (UBAKO).
يشار إلى أن صفقة "أوباكو" واجهت تساؤلات من مراقبين ووسائل إعلام إقليمية بشأن حجم الشركة الفعلي وقدرتها على تنفيذ مشروع بهذه القيمة، دون أن تصدر تفاصيل رسمية كاملة تحسم هذه التساؤلات حتى الآن.
لماذا تتصدر البنية التحتية أولاً؟
يرى مراقبون أن التركيز الإماراتي المبدئي على الموانئ والنقل ليس عشوائياً، إذ تمثل هذه القطاعات مدخلاً لخفض تكاليف الشحن وتسهيل التجارة، بما يمهّد لاستقطاب استثمارات لاحقة في العقارات والصناعة والزراعة والطاقة. وضمن هذا السياق، تندرج مشاريع العبار العقارية كمرحلة تالية طبيعية بعد ترسّخ حضور الشركات الإماراتية في البنية التحتية اللوجستية، وفق ما يعكسه تسلسل الصفقات الموقعة منذ تموز/يوليو 2025.
فرص كبيرة وتحديات مستمرة
رغم تسارع الإعلانات، لا تزال البيئة الاستثمارية في سوريا تواجه تحديات تشمل تحسين الإطار التشريعي وتوفير التمويل واستمرار بعض المخاطر الجيوسياسية. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، في تصريحات له في منتدى "مبادرة مستقبل الاستثمار" بالرياض في تشرين الأول/أكتوبر 2025، إن سوريا استقطبت نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات خلال الأشهر العشرة التي تلت سقوط نظام بشار الأسد. ويقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يجعل مجمل الاستثمارات المعلنة حتى الآن، بما فيها مشاريع العبار، جزءاً محدوداً من مسار طويل يتطلب رؤوس أموال ضخمة على مدى سنوات.