العدل أساس الملك
شرف أبو شرف - نقيب الأطباء سابقاً
"العدل أساس الملك" حكمةٌ قامت عليها الحضارات واستقرت بها الدول. فما من أمة ازدهرت إلا وكان القضاء فيها مستقلاً، وما من دولة انهارت إلا وكان أول مظاهر انهيارها سقوط العدالة وخضوع القضاء لموازين السياسة والنفوذ والمصالح.
في الحضارة الإسلامية بقي قول الخليفة عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟" رمزاً لسيادة العدل على السلطة. وفي أوروبا الحديثة، لم تُبنَ الديمقراطيات على الانتخابات وحدها، بل على استقلال القضاء، بحيث يخضع الرئيس والوزير والمواطن للقانون نفسه.
ولعل أشهر الأمثلة ما يُروى عن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الطائرات الألمانية تقصف لندن بلا هوادة. سأل عن حال القضاء في بلاده، فلما قيل له إنه ما زال يعمل باستقلال ونزاهة، أجاب بما معناه: "إذن نحن بخير". فقد كان يدرك أن الدولة التي يبقى قضاؤها سليماً لا يمكن أن تنهزم، حتى لو تهدمت مبانيها.
وفي فرنسا، لم تمنع المكانة السياسية للرئيس السابق نيكولا ساركوزي من المثول أمام القضاء، وصدر بحقه حكم قضائي بعد محاكمة علنية. وفي دول ديمقراطية عديدة، وقف رؤساء ووزراء وكبار المسؤولين أمام المحاكم من دون أن يُعدّ ذلك استهدافاً سياسياً أو انتقاماً، بل تطبيقاً لمبدأ المساواة أمام القانون.
والعدالة الدولية بدورها، مهما اختلفت الآراء حول آلياتها أو قراراتها، تؤكد مبدأً أساسياً هو أن أحداً لا ينبغي أن يكون فوق المساءلة، وأن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة يجب أن تخضع للمحاسبة القضائية. وإدانة المحكمة الدولية لنتنياهو رئيس وزراء إسرائيل بسبب حرب إبادة الشعب الفلسطيني في غزة، خير دليل على ذلك
أما في لبنان، فما زال المواطن يشعر، منذ عقود، بأن العدالة تسير بخطوات بطيئة، وأن التدخلات السياسية والطائفية والمذهبية كثيراً ما تعيق عمل القضاء، فتتأخر المحاكمات، وتُفتح ملفات وتُقفل أخرى، وتُطبق القوانين على البعض دون البعض الآخر. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع ثقة المواطن بالدولة، ويتردد المستثمر في الاستثمار، ويهاجر الشباب بحثاً عن دولة تحمي حقوقهم بقضاء مستقل لا يخضع للضغوط.
في هذا الإطار تبرز قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، التي أصبحت رمزاً لمرحلة كاملة من الانهيار المالي والنقدي. ولا شك أن كثيرين يعتبرونه مسؤولاً عن السياسات المالية والنقدية التي ساهمت في انهيار سعر صرف الليرة، وضياع مدخرات اللبنانيين، وفقدان الثقة بالمصرف المركزي، إضافة إلى الملفات القضائية المفتوحة بحقه في لبنان والخارج. لا خلاف على أن مثوله أمام القضاء أمر ضروري، وأن كل الاتهامات يجب أن تُبحث أمام محكمة مستقلة تستند إلى الأدلة لا إلى الضغوط السياسية أو الإعلامية. فالعدالة الحقيقية لا تقوم على الإدانة المسبقة، كما لا تقوم على الحماية السياسية، بل على محاكمة عادلة تنتهي إلى إدانة من تثبت إدانته، أو تبرئة من لا يثبت عليه جرم. لكن السؤال الذي يطرحه اللبنانيون بحق هو: هل كان رياض سلامة وحده المسؤول عن هذا الانهيار؟
لقد حاول رئيس الجمهورية السابق الجنرال ميشال عون، في بداية عهده، استبدال حاكم مصرف لبنان، إلا أن موازين القوى السياسية يومها حالت دون ذلك، وأُبقي الرجل في موقعه. كما طُلب منه أكثر من مرة تقديم تقارير مكتوبة حول حقيقة الوضع المالي، ولم تُقدَّم للرأي العام الإجابات الشفافة التي كانت البلاد بأمسّ الحاجة إليها. كذلك واجهت الجهات المكلفة بالتدقيق الجنائي المالي صعوبات كبيرة في الحصول على المعلومات المطلوبة. من هنا، فإن العدالة الكاملة لا تكتفي بمحاكمة شخص واحد، مهما بلغت مسؤوليته، بل تبحث في مسؤولية كل من شارك في صنع القرار أو غطّاه أو استفاد منه. فمن الذي أدار السياسات المالية؟ ومن الذي أقر الموازنات؟ ومن الذي راقب؟ ومن الذي استفاد من الهندسات المالية؟ وأين مسؤولية الحكومات المتعاقبة، والمجلس النيابي، ووزراء المال، والهيئات الرقابية، وإدارات المصارف، وكل من شارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السياسات التي أوصلت البلاد إلى الإفلاس؟
إن أموال المودعين هي تعب عمر مئات آلاف اللبنانيين. وهذه القضية لن تسقط بالتقادم في ضمير الناس، ولن تُقفل سياسياً، لأن الحقوق لا تموت، مهما طال الزمن. إن كشف الحقيقة كاملة هو وحده الكفيل بإعادة الثقة. فالعدالة المجتزأة لا تصنع عدالة، بل تخلق شعوراً بالانتقائية، وتزيد الانقسام بين اللبنانيين.
لم يعد خافياً على أحد أن الانهيار المالي والسياسي والإداري الذي أصاب لبنان لم يكن نتيجة خطأ فردي، بل ثمرة عقود من الفساد وسوء الإدارة وتقاسم النفوذ.
فقد شهد لبنان هدراً هائلاً للمال العام، وصفقات مشبوهة في مشاريع البنى التحتية، ومناقصات افتقرت في كثير من الأحيان إلى الشفافية، وكلفة مشاريع تجاوزت قيمتها الحقيقية بأضعاف، إضافة إلى التهرب الضريبي، واستباحة الأملاك العامة، وتعطيل أجهزة الرقابة
والمحاصصة في التعيينات، والتدخل السياسي في مؤسسات الدولة، وغياب المحاسبة الفعلية.
كما لا يمكن تجاهل الحقبة التي خضع فيها لبنان لنفوذ النظام السوري وحلفائه، وهي مرحلة شهدت تجاوزات وفساداً كبيرين في مفاصل الدولة، وتركت آثاراً عميقة ما زال اللبنانيون يدفعون ثمنها من أمنهم واقتصادهم وسيادتهم وحريتهم واستقلالهم حتى اليوم.
وها هي قضية انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020، إحدى أكبر الكوارث التي عرفها تاريخ لبنان الحديث، وقد أودت هذه الجريمة المروّعة بحياة 208 ضحايا، وأوقعت آلاف الجرحى، وخلّفت دماراً هائلاً طال العاصمة وأحياءها، وشرّدت عشرات الآلاف من العائلات، وجرحت ضمير الوطن بأسره. يومها، أعلن رئيس الجمهورية أن الحقيقة ستُكشف خلال خمسة أيام. مضت ست سنوات ولا نزال ننتظر الحقيقة الكاملة والعدالة المنشودة. فدماء الضحايا ليست شأناً خاصاً بعائلاتهم، بل هي قضية وطن بأكمله.
ان الأزمة لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى قضية السجناء الذين أمضى بعضهم سنوات طويلة في السجون من دون محاكمات نهائية، وهي قضية عاد النقاش حولها أخيراً في مجلس النواب، بالتوازي مع الحديث عن قانون للعفو العام.
إن أي دولة تحترم نفسها لا يجوز أن تبقي إنساناً موقوفاً سنوات من دون حكم قضائي، كما لا يجوز في المقابل أن يتحول العفو العام إلى وسيلة لتجاوز العدالة أو طيّ الجرائم من دون محاسبة. فالحق يقتضي تسريع المحاكمات، وضمان حقوق الضحايا والمتهمين معاً، لأن العدالة البطيئة ظلم، والعدالة الانتقائية ظلم أيضاً.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من قصر العدل. فعندما يصبح القضاء مستقلاً فعلاً، سريعاً في إجراءاته، متساوياً في أحكامه، بعيداً عن الضغوط السياسية والطائفية، عندها فقط تستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد المواطن ثقته، ويعود المستثمر إلى لبنان مطمئناً إلى أن حقوقه مصانة.
إن القضاء ليس خصماً لأحد، بل هو الحصن الأخير للدولة. وإذا صلح القضاء صلحت مؤسسات الدولة كلها، وإذا فسد، فسدت معها الإدارة والسياسة والاقتصاد والأمن.
قد تتأخر او تُعطل العدالة بفعل النفوذ أو المصالح، لكنها لا تسقط إلى الأبد.
ويبقى الرجاء أن يعود القضاء اللبناني إلى محرابه، حراً مستقلاً شجاعاً، لا يعرف إلا القانون والضمير، لأن لبنان لن ينهض إلا بدولة واحدة تحكمها العدالة، لا المصالح، ويحميها القانون، لا النفوذ.
فالعدل هو أساس الملك، وأساس بقاء الأوطان. وسيأخذ العدل مجراه مهما طال الزمن، وإلا…
أين المفر من عدالة الله ورحمته؟