العراق يترقب تداعيات فيضانات الفرات في سوريا... هل تتحول الأزمة فرصة لتعزيز الخزين المائي؟
تتابع المؤسسات العراقية المختصة باهتمام التطورات المرتبطة بارتفاع مناسيب نهر الفرات والفيضانات التي شهدتها مناطق واسعة في سوريا خلال الأيام الماضية، وسط تساؤلات بشأن مدى تأثير هذه الموجات المائية على العراق، وما إذا كانت تمثل تهديداً يستدعي إجراءات استثنائية أو فرصة يمكن استثمارها للتخفيف من أزمة الجفاف التي تواجهها البلاد منذ سنوات؟
ويأتي هذا الاهتمام في وقت يواجه العراق فيه تحديات مائية متزايدة بفعل التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب انخفاض المناسيب المائية الواردة من دول المنبع، ما يجعل أي زيادة محتملة في تدفقات نهر الفرات موضع متابعةٍ دقيقة من الجهات الحكومية والخبراء المعنيين بالملف المائي.
بغداد ترفع الجاهزية وتستبعد القلق
ويُعد نهر الفرات أحد أهم الموارد المائية الاستراتيجية للعراق، إذ تعتمد عليه محافظات عدة في تأمين مياه الشرب والري ودعم الأنشطة الزراعية والاقتصادية. كما يمتلك العراق منظومة متكاملة نسبياً للتعامل مع المتغيرات المائية الطارئة، تشمل السدود والخزانات والبحيرات الطبيعية والاصطناعية وشبكات التصريف والسيطرة على الفيضانات، ما يمنحه قدرة على استيعاب الزيادات المحتملة في مناسيب المياه ضمن حدود مدروسة.
ويقول المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية خالد شمال، لـ"النهار"، إن "الوزارة تتابع بشكل مستمر التطورات المتعلقة بارتفاع مناسيب المياه في نهر الفرات داخل الأراضي السورية، والعراق يمتلك القدرة الفنية والإدارية الكاملة للتعامل مع أي زيادات محتملة في الإطلاقات المائية أو موجات الفيضانات التي قد تصل عبر مجرى النهر".
ويضيف أن الوزارة وضعت خططاً استباقية للتعامل مع مختلف السيناريوات المحتملة من خلال إدارة الخزين المائي وتشغيل السدود والمنشآت الهيدروليكية، وفق خطط مدروسة تضمن حماية المدن والأراضي الزراعية والبنى التحتية، فضلاً عن استيعاب أي كميات إضافية من المياه قد ترد إلى البلاد. كما يؤكد أن الوضع المائي يخضع لمراقبة مستمرة على مدار الساعة عبر فرق فنية ومحطات رصد منتشرة على امتداد الأنهار، وأن المؤشرات الحالية لا تدعو إلى القلق.

فرصة لتخفيف أزمة الجفاف
ويؤكد شمال أن أي زيادة في الواردات المائية يمكن أن تساهم في تعزيز الخزين الاستراتيجي للسدود والخزانات ودعم الخطط الزراعية وتحسين الواقع البيئي في عدد من المناطق التي تأثرت خلال السنوات الماضية بشح المياه والجفاف، مشدداً على أن الوزارة تسعى إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة مع الحفاظ على إجراءات السلامة والسيطرة.
من جانبه، يقول الخبير في الشؤون المائية والبيئة عادل المختار، لـ"النهار"، إن الحديث عن وصول موجات مائية مرتفعة من سوريا يجب أن يُقارب من منظور فني بعيداً من التهويل أو التقليل من حجم الحدث، لأن أي تغير مفاجئ في التصاريف المائية يستوجب المتابعة الدقيقة والاستعداد المسبق.
ويشير إلى أن المخاطر المحتملة لا ترتبط بكمية المياه في ذاتها، وإنما بسرعة تدفقها وآليات إدارتها داخل المنظومة المائية العراقية، لافتاً إلى أن الزيادات الكبيرة والمفاجئة قد تفرض ضغوطاً تشغيلية على بعض المنشآت المائية وشبكات التصريف، ما يستدعي رفع مستوى المراقبة الميدانية وإجراء تقييم مستمر للمناسيب على طول مجرى النهر.
بين الحذر واستثمار الوفرة المائية
ويؤكد المختار أن التعامل الأمثل مع مثل هذه الحالات يبدأ بتفعيل خطط الطوارئ وإدارة الخزين المائي بصورة استباقية، مع ضمان جاهزية السدود والمنشآت التنظيمية لاستيعاب أي موجات واردة، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية في المحافظات الواقعة على امتداد نهر الفرات لضمان سرعة الاستجابة لأي تطورات غير متوقعة.
ويرى أن الحدث يحمل في الوقت نفسه جانباً إيجابياً للعراق الذي يعاني منذ سنوات أزمة مائية متفاقمة، إذ يمكن أي زيادة في الواردات المائية أن تشكل فرصة استراتيجية لتعزيز الخزين الوطني إذا ما جرى التعامل معها وفق رؤية علمية واضحة. ويضيف المختار أن الاستفادة الحقيقية لا تكمن في مرور المياه عبر النهر فقط، وإنما في القدرة على خزن أكبر كمية ممكنة منها داخل السدود والخزانات والبحيرات، إلى جانب توجيه جزء منها لدعم الأهوار وإنعاش المناطق المتضررة من الجفاف وتحسين الواقع الزراعي والبيئي في عدد من المحافظات.
ويخلص إلى أن الإدارة الناجحة لأي موجة فيضانية محتملة يجب أن تجمع بين منع الأضرار وتعظيم الفوائد، بما يحول الوفرة المائية الموقتة إلى مكاسب مستدامة تدعم الأمن المائي العراقي في السنوات المقبلة.