العروض العقارية في مدينة طنجة تتأرجح بين ارتفاع الأسعار وانتشار "النوار"
يواصل غلاء العقار والتحديات المرتبطة به في مدينة طنجة شغل بال الكثير من الأسر والمواطنين الراغبين في اقتناء شقة للسكن والتخلص من فاتورة الكراء التي تلتهم حصة كبيرة من الراتب الشهري للعامل أو الموظف.
إلى جانب الارتفاع المطرد الذي تسجله الأسعار، تبرز مشكلة أخرى معقدة دفعت الكثير من الأسر إلى العدول عن التفكير في شراء شقة للسكن بـ”عروس الشمال”، تتمثل في “النْوار” الذي تبلغ نسبته في بعض الأحيان مائة في المائة.
في حي مسنانة الشهير بمدينة طنجة، تفاجأ مصطفى الحضري، في رحلة البحث عن شراء شقة تؤوي أسرته الصغيرة، بالأرقام الكبيرة التي يطالب بها أصحاب العقارات كعمولات غير مصرح بها.
وقال الحضري في تصريح لهسبريس: “طلبولي 20 مليون (نْوار) في شقة مخصصة للسكن الاقتصادي وسيتم التصريح بـ25 مليون، أي إنني سأشتري سكنا اقتصاديا مدعما بحوالي 55 مليون سنتيم”، معتبرا أن هذا الأمر “منكر لا يقبله العقل”.
وأضاف أن هذا الأمر “يسري تقريبا على جميع المنعشين والشركات العقارية، في أشبه ما يكون بتواطؤ جماعي لنهب جيوب المواطنين”.
وتساءل الرجل الذي يشتغل في القطاع الخاص عن مدى قدرة الأسر على اقتناء سكن يحفظ كرامتها في المستقبل، في ظل الزيادات المتكررة في الأسعار وارتفاع قيمة “النْوار” بشكل لا يطاق، مستغربا غياب “المراقبة الحقيقية وردع هذه الممارسات التي يتعرض لها المغاربة، خاصة الفئات المتوسطة”.
واعتبر الحضري أن هذا المشكل، وغيره من التعقيدات التي تسيطر على سوق العقار في مدينة طنجة، يدفع الكثير من الأسر إلى التخلي عن فكرة شراء شقة سكنية، مناديا بتدخل الدولة لوضع حد لهذه الممارسات.
قصة الحضري مع “النْوار” الذي دفعه إلى العدول عن فكرة شراء شقة سكنية، تتكرر مع العديد من الأسر المماثلة لوضعه المادي والاجتماعي؛ إذ تتعالى الشكاوى من ذلك في أحاديث عمال المصانع والشركات المنتشرة في المناطق الصناعية المتواجدة بالمدينة.
في تعليقه على الموضوع، ذكر عيسى بنيعقوب، رئيس جمعية المنعشين العقاريين بطنجة، أن ظاهرة “النْوار” في القطاع العقاري ظاهرة قديمة متجددة، معتبرا أن أسبابها لا تقتصر فقط على التهرب الضريبي من طرف بائع العقار، بل ترتبط في كثير من الحالات بـ”الأعباء التي يتحملها المنعش العقاري عند اقتناء الأرض، حيث يضطر بدوره إلى تحمل جزء من هذه الممارسات في مرحلة الشراء”.
وأضاف بنيعقوب، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن من بين العوامل المساهمة في استمرار هذه الظاهرة، وجود عدد من الفاعلين غير المهيكلين داخل القطاع لا يلتزمون بإصدار الفواتير، موضحا أن هذه الأسباب “لا يمكن اعتبارها مبررا للظاهرة، وإنما هي مجرد توصيف لواقع قائم”.
وفي ما يتعلق بالأرقام المتداولة حول حجم “النْوار”، أشار بنيعقوب إلى أنها تبقى “نسبية ومتباينة بحسب نوع العقار وقيمته الإجمالية”، كما شدد على أن الظاهرة بدأت تعرف “تراجعا ملحوظا في الآونة الأخيرة”، مرجعا ذلك إلى تشديد المراقبة الجبائية والإصلاحات الضريبية التي طالت الشركات والأفراد على حد سواء، والتي أصبحت تُلزم “كل من يبيع أو يشتري عقارا بتبرير مداخيله. وفي حال عدم القدرة على تفسير هذه المداخيل، يُفرض أداء ضريبة قد تصل إلى 37.5 في المائة”.
وأوضح المتحدث أنه في حالة الشركات، فإن العبء الضريبي يكون أكبر؛ إذ يشمل الضريبة على القيمة المضافة، والضريبة على الأرباح، ثم الضريبة على توزيع الأرباح، ما قد يرفع الكلفة الإجمالية إلى أكثر من 55 في المائة من القيمة الأصلية مضافة إليها الضرائب.
وأفاد رئيس جمعية المنعشين العقاريين بطنجة بأن هذه المعطيات دفعت المنعشين العقاريين إلى الحرص، قدر الإمكان، على التصريح الحقيقي بمختلف معاملاتهم، وهو ما يظهر في وجود “مشاريع عقارية تُعرض بأثمنة مرتفعة مع التصريح بقيمها الحقيقية سواء في الإعلانات أو في العقود الرسمية”.
وبخصوص سبل الحد من الظاهرة، أقر بنيعقوب بأن الأمر يظل “معقدا ويتطلب وقتا”، مقترحا إمكانية إقرار “صلح ضريبي” يهدف إلى مراجعة القيم العقارية القديمة التي تبقى منخفضة مقارنة بقيمتها الحالية، وهو ما يضع “البائعين، خاصة أصحاب الأراضي، أمام فروق كبيرة تدفعهم أحيانا إلى عدم التصريح بالقيمة الحقيقية تفاديا لاقتطاعات ضريبية مرتفعة”، وفق تعبيره.
من جهته، يرى بلحاج حمادي، منعش عقاري بمدينة طنجة، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية حول الموضوع، أن مشكلة “النْوار” لا يتحمل مسؤوليتها المنعشون العقاريون لوحدهم، بل تتحمل الدولة مسؤولية رئيسية فيها.
وقال بلحاج إن المنعشين العقاريين الذين يطالبون المواطنين أو الزبائن بمبالغ مالية مهمة غير مصرح بها في عقود الشراء، يضعون أمام أعينهم “المراجعات الضريبية التي تفاجئهم سنة بعد أخرى”.
وأضاف المنعش العقاري ذاته أن غياب تحديد سعر مرجعي أساسي يتم الاحتكام إليه في هذه العمليات “يساهم في تعميق الأزمة”، مبرزا أن تحديد سعر البيع في منطقة ما يختلف ويتباين من شركة إلى أخرى.
وزاد موضحا: “السعر النهائي يتحكم فيه الموقع وجودة البناء والواجهة التي يطل عليها العقار”، موردا أن هذه الأمور لا تؤخذ بعين الاعتبار بالنسبة لمديرية الضرائب أثناء القيام بعمليات المراجعة الضريبية.
وشدد بلحاج على أن الدولة “تتحمل المسؤولية في استمرار هذه الممارسات التي يرفضها الكثير من الفاعلين في قطاع العقار”، وختم قائلا: “لا نريد أن يستمر هذا الوضع ونسعى وراء الوضوح التام وانعدام هذه الممارسات”.
The post العروض العقارية في مدينة طنجة تتأرجح بين ارتفاع الأسعار وانتشار "النوار" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.