العلاقات الجزائرية التركية… إعادة تموضع استراتيجي في عالم يتشكل

من يزور تركيا يدرك ان الجزائر كدولة وشعب تحظى بمكانة متعاظمة في هذه الدولة. هذه المكانة كرستها عوامل التعامل والجغرافيا وتزايدت هذه العلاقات نظرا لتقاسم الرؤى وتداخل مجالات الاحتكاك والتعاون بين البلدين. في هذا الصدد تشهد العلاقات الجزائرية – التركية منذ إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى سنة 2013 تحولًا تدريجيًا من تعاون تجاري تقليدي إلى شراكة ذات أبعاد جيوسياسية أوسع، ترتبط بإعادة تشكيل موازين القوة في المتوسط وإفريقيا والساحل. وقد تسارع هذا التحول بشكل واضح بعد 2020، خاصة في ظل تداعيات الحرب الأوكرانية وأزمات الطاقة العالمية، حيث بدأت الجزائر تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا قادرًا على دعم سياسة تنويع التحالفات وتقليص الارتهان التقليدي للأسواق الأوروبية.
اقتصاديًا، ارتفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين من أقل من مليار دولار مطلع الألفية إلى أكثر من 5.3 مليار دولار سنة 2023، ثم تجاوز 6 مليارات دولار خلال 2024–2025، مع هدف معلن لبلوغه 10 مليارات دولار بحلول 2030. كما أصبحت تركيا من أكبر المستثمرين الأجانب في الجزائر باستثمارات تفوق 6 مليارات دولار، عبر أكثر من 1400 شركة تنشط في الحديد والنسيج والبناء والطاقة والصناعات التحويلية. ويبرز مشروع Tosyali في وهران باستثمار يتجاوز 2.5 مليار دولار وقدرة إنتاج تقارب 4 ملايين طن من الحديد سنويًا، إلى جانب مشروع Tayal للنسيج باستثمار يقارب 1.5 مليار دولار، كمؤشرين على انتقال التعاون من التجارة إلى بناء قاعدة إنتاج صناعي موجهة نحو السوق الإفريقية.
وفي ملف الطاقة، تصدر الجزائر ما بين 4 و6 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى تركيا عبر عقود طويلة الأمد، ما يجعل أنقرة أحد أبرز زبائن الغاز الجزائري في المتوسط. كما يسعى الطرفان إلى توسيع التعاون في الغاز الطبيعي المسال والبتروكيمياء والطاقة المتجددة وربط مشاريع الطاقة بالبنية اللوجستية، بما يحول العلاقة الطاقوية إلى شراكة جيوسياسية طويلة المدى.
أما أمنيًا، فإن تقاطع المواقف في ليبيا والساحل يعكس إدراكًا مشتركًا لخطورة انهيار الدول الوطنية وتصاعد الفوضى المسلحة، خاصة بعد سلسلة الانقلابات التي عرفتها منطقة الساحل بين 2020 و2023 وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي. كما تتابع الجزائر باهتمام التطور السريع للصناعات الدفاعية التركية، التي تجاوزت صادراتها العسكرية 7 مليارات دولار سنويًا، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والدفاعية..

زيارة الرئيس تبون… الأهمية الاستراتيجية والسياقات الإقليمية
تكتسي زيارة عبد المجيد تبون إلى تركيا أهمية استراتيجية كبرى، لأنها تأتي في لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والطاقوية في المتوسط وإفريقيا ضمن سياق إعادة التشكل الجيوسياسي (geopolitical reconfiguration) بعد الحرب الأوكرانية وأزمات الطاقة العالمية.
وتعكس الزيارة توجّه الجزائر نحو سياسة تنويع الشراكات (diversification of partnerships) وعدم الاكتفاء بالعلاقات التقليدية مع أوروبا، عبر بناء محور تعاون متوازن مع قوى إقليمية صاعدة مثل تركيا. وفي هذا الإطار، أصبحت العلاقات الجزائرية -التركية من أسرع العلاقات الاقتصادية نموًا في المنطقة، مع ارتفاع المبادلات التجارية إلى عدة مليارات دولار سنويًا وطموحات لرفعها إلى مستويات أكبر خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع توسع الاستثمارات التركية في قطاعات الحديد والصلب والنسيج والصناعات التحويلية، بما ينسجم مع الرؤية الجزائرية الهادفة إلى تقليص التبعية للمحروقات وبناء اقتصاد إنتاجي قائم على التحول الصناعي (industrial transformation).
كما تشكل الطاقة محورًا أساسيًا في العلاقة، إذ تعد تركيا من أبرز زبائن الغاز الجزائري، بينما تسعى الجزائر إلى توسيع عقود الغاز الطبيعي المسال وتعزيز التعاون في البتروكيمياء والطاقة المتجددة ضمن معادلة أمن الطاقة (energy security).
وتحمل الزيارة أيضًا بعدًا جيوسياسيًا متصلًا بملفات ليبيا والساحل الإفريقي، حيث يتقاطع البلدان حول دعم وحدة الدول ورفض سيناريوهات التفكك والفوضى المسلحة، مع تنامي أهمية التنسيق الأمني والاستخباراتي في مواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود. وفي المقابل، تراهن الجزائر على الاستفادة من التجربة التركية في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والبنية التحتية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة واللوجستيك والنقل البحري، بما يسمح ببناء ممرات تجارية تربط المتوسط بعمق إفريقيا. كما تعكس الزيارة بروز أبعاد ثقافية وتعليمية متنامية، مدعومة بالإرث العثماني المشترك وتزايد حضور الطلبة الجزائريين في الجامعات التركية، ما يعزز دبلوماسية القوة الناعمة (soft power diplomacy) بين البلدين. وفي المحصلة، تؤكد الزيارة أن الجزائر وتركيا تتجهان نحو بناء شراكة استراتيجية شاملة (comprehensive strategic partnership) تقوم على الندية والمصالح المتبادلة، ضمن رؤية مشتركة لإعادة التموضع داخل نظام دولي متعدد الأقطاب.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post العلاقات الجزائرية التركية… إعادة تموضع استراتيجي في عالم يتشكل appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk