العلاقات الدولية في عصر الذكاء الاصطناعي بين الفرص والمخاطر المتصاعدة

لم تتوقف تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية، بل تجاوزت ذلك لتطال العلاقات الدولية كحقل معرفي، وكتفاعلات اجتماعية.

فقد ألحقت الثورة التي أحدثها هذا الذكاء على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية تغيرات جذرية طالت علم العلاقات الدولية الذي ينحو إلى تفسير الظواهر الدولية وبناء نظريات بصددها، والتنبؤ بمآلاتها، حيث تسبب في إعادة صياغة مفهوم القوة، وفتح المجال لعدد من دارسي هذا الحقل من العلوم الاجتماعية تطوير نظرياتهم ومقولاتهم.

وهكذا وفر الذكاء الاصطناعي تقنيات ومعطيات جديدة ساهمت بشكل كبير في بلورة مفاهيم حديثة، أثّرت بشكل كبير على المقتربات التقليدية للعلاقات الدولية، بعدما توسعت دلالات الأمن والردع والقوة.
فالمدرسة الواقعية أصبحت تستحضر فرص الذكاء الاصطناعي كمقوم أساسي ضمن منظورها لقوة الدول، فيما أصبحت المدرسة البنائية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي لا باعتباره وسيلة تقنية فقط، أو محددا من محددات القوة، بل كمقوم مساهم في إعادة تشكيل الهويات والمناهج والأفكار التي تؤطر العلاقات بين الدول.

ومن جهتها باتت المدرسة الليبرالية تولي اهتماما كبيرا للتكنولوجيا الحديثة وتنظر إليها كمقوم أساسي لإرساء التعاون الدولي، وتعزيز الجودة في أداء المؤسسات الدولية، مع دعوتها إلى بلورة ضوابط قانونية وأخلاقية تؤطر استخدام التكنولوجيا بشكل عام.

أما نظرية ما بعد الاستعمارية التي ترى في النظام الدولي القائم امتدادا لعلاقات الهيمنة التي ظلت سائدة خلال فترات الاحتلال الأجنبي فقد ركزت ضمن مقارباتها على ما يسميه روادها “الاستعمار الرقمي”، الذي يكرس التبعية، واتساع الفجوة في هذا المجال، و”التحيز الخوارزمي” عبر تكريس الصور النمطية للآخر، وفرض معايير الغرب “المتطور والحداثي” واستغلال كفاءات دول الجنوب رقميا (عن بعد) بأجور زهيدة.

كما وفّر الذكاء الاصطناعي فرصا مذهلة أمام الباحثين على مستوى تحديث المناهج وتطويرها، وبخاصة في ما يتعلق بتحليل المعلومات والمعطيات الإحصائية، وبلورة تصورات استشرافية بصدد عدد من القضايا والأزمات والنزاعات الدولية.

وارتباطا بالعلاقات الدولية كتفاعلات اجتماعية ساهمت طفرة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام في تشبيك العلاقات الدولية أكثر، بعدما أحدثت قفزة كبيرة على مستوى التواصل الدبلوماسي، ونقلته من الأساليب التقليدية المألوفة إلى سبل متطورة أعطتها شبكات التواصل الاجتماعي زخما كبيرا.

وأضحى امتلاك ناصية هذه التقنيات عاملا داعما لمكانة ووزن الدولة في محيطها الخارجي، بل وعنصرا فاعلا ضمن عناصر القوة الناعمة الكفيلة بتحقيق مصالح الدول بسبل أكثر فعالية واستدامة. كما أن امتلاك بنيات أساسية رقمية أضحى عاملا مهما في تعزيز الأمن والنفوذ على المستويين الإقليمي والدولي.

فيما أصبحت الشركات الضخمة المتخصصة في التكنولوجيا الحديثة فاعلا مؤثرا في العلاقات الدولية، بالنظر إلى تأثيراتها وحجم معاملاتها على الصعيد الدولي. وفي هذا السياق برزت معالم “الدّبلوماسية الرّقمية” مع التطوّر والانتشار الكبيرين لاستخدام الإنترنت عبر العالم، وما أتاحه ذلك من فرص للتأثير في الرأي العام، وتدبير المعلومات والخدمات المختلفة، والمرافعة بشأن الحقوق والحريات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي.

ومع ذلك طرح الذكاء الاصطناعي تحديات كبرى على مستوى تعزيز الأمن الرقمي الذي أضحى جزءا لا محيد عنه ضمن عناصر الأمن بمفهومه الإنساني الشامل، وفرض تطوير قواعد القانون الدولي لتواكب التطورات الحاصلة في العمليات العسكرية الجديدة التي تستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي بشكل مكثف (اتخاذ القرارات المستقلة، الطائرات المسيّرة، والحروب الإلكترونية).

إن السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا الحديثة بشكل عام والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، واتساع نطاق توظيفه في مختلف المجالات والميادين التي من ضمنها العلاقات الدولية، يطرحان الكثير من المخاوف والإشكالات التي تفرض بلورة اتفاقات وتشريعات دولية تروم عقلنة توظيف هذا الذكاء، والحيلولة دون تحوّله من مجرّد واسطة إلى بديل خارج عن السيطرة والتحكم.

وعلى مستوى آخر يمكن للذكاء الاصطناعي، انطلاقا من المحتويات الرقمية المتاحة بشبكات الإنترنت، أن يكرّس الهيمنة الثقافية والقيمية التي تدعم التوجهات الغربية.

حقيقة، يوفر الذكاء الاصطناعي فرصا حقيقية في ما يتعلق بالحدّ من المخاطر والتهديدات العابرين للحدود، والمساهمة في حوكمة تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية على المستويات الوطنية والدولية، لكنه في المقابل يطرح مخاوف حقيقية من أن تهيمن الخوارزميات على اتخاذ القرارات الدولية، ما يفقدها حسّها الإنساني؛ فيما تتزايد هذه المخاوف مع توجه الدول الكبرى نحو إدماج الذكاء الاصطناعي في الأسلحة ذاتية التشغيل، أو اندلاع سباق دولي محموم نحو توظيف هذا الذكاء في المجال العسكري، بالإضافة إلى تزايد إمكانية استغلاله في عمليات الاحتيال ونشر الإشاعات والأخبار المضللة، وهو ما سيسهم في تعميق الأزمات الدولية وتهديد سيادة الدول وحقوق وحريات الأفراد.

وبين دول كبرى (كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا) تتنافس بشأن تطوير التكنولوجيا الحديثة وامتلاك عناصر التحكم في مآلاتها المدنية والعسكرية يبدو أن الفجوة الرقمية ستزداد عمقا في عدد من دول العالم التي لم تع بعد أهمية وحيوية التحول الرقمي، والفرص الواعدة التي يختزنها الذكاء الاصطناعي.

The post العلاقات الدولية في عصر الذكاء الاصطناعي بين الفرص والمخاطر المتصاعدة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress