العودة بطعم المرارة
حسين سعيد
لن تُرفع هذه المرّة أصابع النصر من نوافذ السيّارات، ولن تتقدّم المشهد الرايات المثقلة بالشعارات والهتافات. فالذين يستعدّون للعودة إلى قراهم وبلداتهم لا يعودون من ساحة احتفال، بل من رحلة طويلة في الخوف والوجع والنزوح والانتظار.
بين مذكرة تفاهم لم تصل بعد إلى حدود الاتفاق النهائي، وبين واقع ما زالت تكتنفه الشكوك والهواجس، يعيش آلاف النازحين والمهجرين حالة من الترقب الحذر. فبالنسبة إليهم، لا تعني التفاهمات السياسية سوى سؤال واحد: هل اقترب موعد العودة إلى البيوت والأرض والأرزاق وموطئ القدم الأول على هذه الأرض؟
لكن العودة نفسها لن تكون سهلة. فالكثيرون سيعودون ليحصوا عدد ضحاياهم، ويتفقدوا ما أصاب منازلهم وممتلكاتهم وقراهم من دمار. وكثيرون سيكتشفون أن الحرب لم تترك آثارها على الحجر فحسب، بل تركت ندوباً عميقة في النفوس يصعب ترميمها. فسنوات الخوف والقلق والترقب والمصير المجهول لا تنتهي بمجرد توقف أصوات المدافع.
لقد عاش هؤلاء أشهراً قاسية بين مراكز الإيواء والأماكن المؤقتة، يتقاسمون ضيق العيش ومرارة النزوح، ويلاحقون أخبار الموت والدمار التي كانت تصلهم تباعاً عن أحبّتهم وقراهم. شعر كثيرون بالعجز أمام حجم المأساة، وبالخذلان من تقصير الدولة ومؤسساتها، كما أثقلت كاهلهم الانقسامات والحسابات التي بدت بعيدة كل البعد عن معاناتهم اليومية.
ومع اقتراب العودة، تتزاحم الأسئلة في أذهانهم أكثر من أيّ وقت مضى: هل انتهت هذه الحرب فعلاً أم نحن أمام هدنة مؤقتة؟ هل سنعود لنبني ما تهدّم ثم نجد أنفسنا بعد سنوات قليلة أمام نزوح جديد؟ هل كُتب علينا أن ندفع وحدنا فاتورة الصراعات والحروب المتتالية؟ وهل سيبقى أبناؤنا أسرى الخوف من مستقبل لا نعرف ملامحه؟
ولعل من أقسى ما تكشفه الحروب أنها لا تدمّر البيوت فقط، بل تهز أيضاً الأفكار التي استقرّت طويلاً في العقول والوجدان. فحين يعيش الإنسان تجربة الفقدان والنزوح والخوف، يبدأ تلقائياً بإعادة النظر في كثير من المسلّمات التي رافقته لعقود، وتغدو الأسئلة المرتبطة بالأمن والاستقرار والعيش الكريم أكثر حضوراً من أي شعار آخر.
ومن بين أكثر الأسئلة إلحاحاً التي تفرضها التجربة، ذلك السؤال المتعلق بمدى إدراك جميع الأطراف لطبيعة ميزان القوة الذي كانوا يتحركون داخله. فالمواجهة مع عدوّ يمتلك تفوّقاً هائلاً في أدوات القتل والتدمير، ويملك استعداداً عالياً لاستخدام هذا التفوّق بلا قيود أخلاقية أو سياسية، غير آبه بكل قواعد القانون الدولي، كانت معطى معروفاً في الحسابات الميدانية والسياسية.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود معرفة هذا الواقع فقط، بل يمتد إلى كيفية التعامل معه، إذ يبدو أن حجم اليقين الذي رافق بعض الخيارات الكبرى لم يواكبه بالقدر نفسه تقدير دقيق لحجم الكلفة الممكنة على الناس والبيئة الاجتماعية والبنية الوطنية برمّتها، وكأن حدود الاحتمال الأقصى للدمار كانت تُستحضر نظرياً، لكنها تُستبعد عملياً عند اتخاذ القرار.
وفي مثل هذا السياق، يصبح المواطن البسيط هو من يتحمّل في النهاية نتائج توازنات القوة، سواء كانت قائمة على ردع متبادل أو على تصوّرات أيديولوجية ترى في المواجهة مساراً حتمياً، بينما يبقى السؤال الأعمق معلقاً: إلى أيّ مدى يمكن لأيّ خيار سياسي، مهما كانت مبرراته، أن يتجاهل هشاشة المجتمع الذي يُفترض أنه يحميه؟
ربما تكون المأساة التي عاشها اللبنانيون مناسبة قاسية لإعادة اكتشاف معنى الدولة الحقيقي. فالدولة ليست غياباً عن الناس، وليست مجرد إطار إداري، وليست كذلك أداة تُدار من خارجها أو تُختزل في جهة أو فريق.
الدولة التي يحتاج إليها اللبنانيون اليوم هي دولة تمتلك سيادتها كاملة، وتحتكر قرار الحرب والسلم باعتباره أخطر قرار يمسّ مصير شعب بأكمله. دولة لا تتلقى التعليمات، ولا تقبل الأجندات المعدّة مسبقاً، ولا تُدار بمنطق الوصاية أو الإملاء، بل تصوغ خياراتها من داخلها، وعلى أساس مصلحة مواطنيها وحدهم.
هي دولة تسمع جميع أبنائها، وتأخذ في الاعتبار هواجسهم ومخاوفهم وتطلعاتهم، لكنها في الوقت نفسه لا تنزلق إلى أسر الاصطفافات مهما اشتدّت أو تعدّدت، ولا تُستدرج إلى منطق المحاور مهما بلغت الضغوط. دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتستمدّ قرارها من الداخل الوطني لا من الخارج، ومن المصلحة العامّة لا من توازنات اللحظة.
فما يطلبه اللبنانيون اليوم ليس انتصاراً لفريق على حساب آخر، بل خروج من دائرة الاستنزاف المتكرر، وضمانة حقيقية بألا يتحوّل الوطن مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وعندما تصبح الدولة قادرة على امتلاك قرارها، وعلى حماية مجتمعها من كلفة الخيارات المفروضة أو المنفلتة، عندها فقط يمكن الحديث عن استقرار حقيقي، وعن عودة لا تحمل في طيّاتها خوف الغد.