الغضب الشعبي يعود إلى ليبيا... الشارع يختبر قدرة السلطة على الصمود
عاد الشارع الليبي إلى واجهة المشهد السياسي مع موجة احتجاجات جديدة تعكس تصاعد الغضب الشعبي من تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية، واتساع الفجوة بين المواطنين والسلطة.
وشهدت مدن في غرب ليبيا، وفي مقدمها طرابلس ومصراتة، تحركات احتجاجية على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء في ذروة الصيف وتدهور الأوضاع المعيشية. وأعلن المحتجون العصيان المدني، وأغلقوا عدداً من مقار الوزارات والمؤسسات الخدمية، قبل أن تتجاوز المطالب الجانب الخدمي إلى الدعوة لإسقاط المؤسسات القائمة، ورحيل الطبقة السياسية، وإجراء الاستحقاقات الانتخابية المعطلة.
الكهرباء تشعل الشارع
وصعّد المحتجون تحركاتهم بإغلاق مجمع مليتة لمعالجة وتوزيع الغاز، ما دفع الشركة العامة للكهرباء إلى التحذير من أن استمرار إغلاق خطوط إمداد الوقود لمحطات التوليد سيؤدي إلى خروج وحدات الإنتاج تباعاً عن الخدمة، وصولاً إلى احتمال انهيار الشبكة الكهربائية بالكامل.
في المقابل، أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة، تعليمات عاجلة إلى وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة بالتحرك لفرض السيطرة على مجمع مليتة وتأمينه، وإعادة فتح خطوط الغاز المغذية لمحطات الكهرباء، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تفاقمها.
وتعيد هذه التطورات طرح التساؤلات حيلل قدرة الشارع الليبي على تغيير المعادلة السياسية. فرغم نجاح الحراك، في مناسبات سابقة، في الضغط على السلطة وإرباك المشهد، فإنه لم ينجح في إحداث تحول جذري في الواقع الليبي المعقد، فيما أظهرت السلطات قدرة على امتصاص موجات الغضب. ومع ذلك، فإن تكرار الاحتجاجات يعكس استمرار أزمة الثقة وتراكم ضغوط اجتماعية وسياسية لم تجد حلولاً حتى الآن.
احتجاجات متكررة... والعقبات نفسها
ويصف رئيس تجمع الأحزاب الليبية فتحي الشبلي ما يحدث بأنه "رد فعل موقت لا يمكن اعتباره حدثاً مفصلياً"، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة شهدت احتجاجات مماثلة خرجت خلالها الجماهير بالآلاف، ووصل الأمر أحياناً إلى اقتحام مقرات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، "قبل أن يعود الوضع سريعاً إلى الهدوء".
ويقول الشبلي لـ"النهار": "يتكرر المشهد هذه الأيام، تخرج الاحتجاجات في ساعات المساء، وتُقطع الطرق، وتُغلق بعض المقار الحكومية، لكن مع حلول الصباح تعود الحياة إلى طبيعتها". ويضيف: "هذا الحراك لا يزال غير منظم وغير ناضج، ولم يصل إلى مرحلة الغليان الشعبي، كما لم تتحول الاحتجاجات إلى ثورة سلمية قادرة على إسقاط المؤسسات الحاكمة".
ويلفت إلى أن الحكومة في طرابلس "تتعامل مع الاحتجاجات ببرودة أعصاب"، معتبراً أن "هذا الهامش من حرية الحركة يمنحها صورة إيجابية أمام المجتمع الدولي، باعتباره دليلاً على وجود مساحة لحرية التعبير في غرب ليبيا".
ويرى أن تحرك الشارع "يواجه تحديات عديدة تحول دون تحوله إلى رقم صعب في المعادلة السياسية، في مقدمها انتشار السلاح، إلى جانب غياب مشروع سياسي جامع وقيادة وطنية تحظى بقبول مختلف الأطراف".

أما الناشط السياسي الليبي علاء الدين بن عثمان، فيرى أن التصعيد الأخير "يعكس انتقال الاحتجاجات من مرحلة التعبير عن الغضب إلى ممارسة ضغط مباشر على مؤسسات الدولة"، موضحاً لـ"النهار" أن "الأزمة لم تعد تقتصر على تراجع الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، بل تعكس فقداناً متراكماً للثقة بين المواطن والسلطة نتيجة استمرار الانسداد السياسي وضعف الأداء الحكومي".
ويشير بن عثمان إلى أن اتساع الاحتجاجات "يكشف عن توجه شعبي نحو استخدام وسائل ضغط أكثر تأثيراً"، محذراً من أن تجاهل المطالب قد يزيد الاحتقان ويعقد المشهد.
ويضيف: "الشارع أصبح لاعباً مؤثراً، إلا أن قدرته على إحداث تغيير جذري تبقى مرهونة بوجود قيادة موحدة ورؤية سياسية واضحة، فيما لا تزال السلطة تمتلك أدوات لاحتواء الأزمة، لكن نجاحها يتوقف على معالجة الأسباب الحقيقية للاحتجاج"، مؤكداً أن الحراك يواجه تحديات، أبرزها غياب القيادة الموحدة، واحتمال توظيفه سياسياً، فضلاً عن أهمية الحفاظ على سلميته.
هل ينجح الشارع في فرض التغيير؟
من جانبه، يحذر المحلل السياسي الليبي إسلام الجارحي من استمرار تصاعد الاحتقان الشعبي في ظل تراكم الأزمات المعيشية، وتدهور مستوى الخدمات، وتراجع الثقة في جدوى الحلول السياسية، مشيراً إلى أن استمرار هذا الوضع "قد يدفع إلى تحول الغضب الشعبي إلى تحرك فعلي على الأرض".
ويقول الجارحي لـ"النهار" إن "غالبية المحتجين هم من فئة الشباب، وعندما تكون هذه الفئة الأكثر شعوراً بالإحباط نتيجة انسداد آفاق الفرص، فإن ذلك يشكل عامل دفع قوياً نحو الحشد والنزول إلى الشارع".
ويرى أن ما يحدث يمثل رسالة واضحة إلى الطبقة السياسية مفادها أن "استمرار الوضع الراهن لم يعد مقبولاً، وأن الشرعية الشعبية للسلطة تتآكل بصورة متزايدة".
ويؤكد الجارحي أن الاحتجاجات تمثل عاملاً مؤثراً في المشهد وتحرج الحكومة، وأن التحركات السابقة نجحت في فرض بعض التنازلات عليها، لكنها لم تكن كافية لإحداث تغيير جذري، لأسباب عدة، أبرزها غياب القيادة الموحدة للحراك الشعبي.
كما يشير إلى أن السلطة لا تزال تمتلك أدوات نفوذ تمكنها من احتواء الاحتجاجات أو الحد من تأثيرها، إلى جانب وجود المجتمع الدولي المنخرط في الملف الليبي، والذي يميل إلى الحفاظ على حالة الاستقرار النسبي في البلاد بدلاً من الدخول في مسارات سياسية غير محسوبة العواقب.